السلفية التي رأيت (2)

(السلفية هي الفهم الصحيح للإسلام!): كلمة وشعار طالما رفعه السلفيون منذ نشأتهم يحمل في ظاهره معنى العودة لما كان عليه السلف فهم أعلم الناس بمراد رسول الله، ولكن المعنى الباطن - وهو التطبيق العملي لدى السلفيين- مختلف تماما فالسلفية هي جماعة إسلامية محتكرة للفهم الصحيح للإسلام في زعمها وكل من عداها أخطأ الطريق وحاد عن جادته وعليه أن ينضم إلينا نحن الجماعة!

لماذا أقول هذا الكلام؟ لأن دعوى اتباع السلف الصالح ليست دعوى جديدة ولا ابتكارا فريدا تفتق إليه ذهن السلفيين بل هي دعوى كل الجماعات الإسلامية المعاصرة بل دعوى أغلب الفرق الإسلامية القديمة! فكل فرقة وجماعة تزعم أنها تتبع السلف الصالح وأن فهمها للإسلام هو فهم السلف الصالح، الفرق بين السلفيين وبين هذه الجماعات ليس في دعوى اتباع السلف وإنما الفرق في طريقة فهم ما الذي كان عليه السلف أصلا؟! فالأشاعرة يزعمون اتباعهم للسلف والماتريدية يزعمون اتباعهم للسلف والصوفية هم أهل حب السلف بل الشيعة يزعمون اتباعهم لخير السلف وهم آل بيت رسول الله، فليت شعري ما الجديد؟!!

إذن دعوى اتباع السلف لدى السلفيين ليست دعوة مثالية براقة كما يتراءى لهم، كل ما في الأمر أن كل الجماعات والفرق اختلفت وتناحرت على طريقة السلف مثلما اختلفوا وتناحروا على رسول الله فكل واحد يزعم أنه على ما كان عليه رسول الله، الذي فرقهم اختلاف أدلتهم وطريقة استنباطهم للأحكام واختلافهم في أصول الفقه والأخذ بالأحاديث غير الصحيحة، كل هذا أدى لتنوع الفكر واختلاف الطرق لا أن الفرق غير السلفية تحيد عن منهج السلف! هذه دعوى غريبة وعجيبة وجدت صدًى عند كثير من السذج من الناس فظنوا أنهم وصلوا لما لم يتوصل إليه غيرهم!

ثم تأتي مشكلة شائكة جديدة في التعامل مع فهم السلف للإسلام وهي بأي رأي من آراء السلف نأخذ؟! السلف أنفسهم اختلفوا اختلافات رهيبة في الأحكام الفقهية وتفسير القرآن، فالصلاة المفروضة مثلا التي صلاها النبي أمام الصحابة خمس مرات أكثر من 11 سنة كاملة لا توجد حركة ولا سكنة فيها إلا اختلف فيها العلماء (السلف) ! هل نجهر بالبسملة في الصلاة أم لا؟ هل نرسل اليدين بعد القيام من الركوع أم لا؟ هل هناك قنوت فجر أم إنها بدعة محدثة؟ كيف نرفع السبابة في التشهد؟ هل توضع اليدان على الصدر في الصلاة أم ترسلان؟ وغيرها من الخلافات الكثيرة وكأن الرسول لم يصل أمام أحد أبدا! .. تخيلوا الصلاة أظهر العبادات التي أداها النبي أمام الناس اختلفوا فيها كل هذه الاختلافات فما بالكم بما هو أدق ؟! حتى تفسير القرآن فلا تكاد تجد آية مجمع على تفسيرها فإذا جئنا مثلا لقوله تعالى: (إن الله سريع الحساب) نجد 6 تفسيرات لمعنى هذه الآية عن السلف! حتى المفردات اللغوية في القرآن اختلفوا فيها وكأن السلف والعلماء لم يكونوا عَرَبا ! ففي قوله تعالى: (وفاكهة وأبّا) اختلف السلف في معنى الأبّ على 6 أقوال متناقضة بل سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ تَفْسِيرِ َالْأَبِّ فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ: فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ. وَقَالَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (كُلُّ هَذَا قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ رَفَعَ عَصًا كَانَتْ بِيَدِهِ وَقَالَ: هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكَلُّفُ، وَمَا عَلَيْكَ يَا بْنَ أُمِّ عُمَرَ أَلَّا تَدْرِيَ مَا الْأَبُّ؟ ثُمَّ قَالَ: اتَّبِعُوا مَا بُيِّنَ لَكُمْ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَا لَا فَدَعُوهُ) ، فتخيل كل هذا الخلاف في كلمة عربية ومسألة لغوية المفترض أن يكون العرب على معرفة بها فما بالك بما هو أعقد من ذلك من أمور الإسلام؟!

ما أريد تبيينه أن السلف لم يجمعوا على منهج واحد حتى نتبعهم فيه اللهم إلا مسائل معدودة محدودة حاول بعضهم جمعها مثل ابن المنذر في كتاب (الإجماع)، وأن دعوى احتكار فهم السلف دعوى لا برهان عليها فكل الناس تريد اتباع السلف ولكن أين السلف؟ هذا هو السؤال.

النقطة الثانية التي يتباهى بها السلفيون والتي تجد بريقا عند متبعيهم أنهم يقدمون النقل على العقل وأن الدليل أولى بالاتباع وأنهم أهل العلم يتكلمون بالأدلة المحكمة لا بالأهواء والعقول التي لا تدرك الحكمة الإلهية، في حين أن هذا الزعم أيضا فيه نظر، فمن قال إن بقية الفرق والجماعات لا تتبع الدليل وتسير وراء أهوائها؟!

طالما تشدق شيوخ السلفية برمي تهمة استعمال العقل وتقديمه على النص عند المعتزلة مستغلين أن أغلب كتب المعتزلة قد فنيت ولا يستطيع السلفي التابع البحث عن أدلتهم ووجهات نظرهم، في حين أنني بحكم اهتمامي بالنحو واللغو وجدت أن المعتزلة لديهم على كل مسألة اعتنقوها أدلة قوية جدا وقد كانوا يستخدمون اللغة والنحو وشواهد الشعر العربي لخدمة معتقداتهم على نحو مثير للإعجاب ومع ذلك تجد العلماء من أهل السنة شنعوا عليهم أبشع تشنيع ووصفوهم بأنهم أتباع العقل وفي نفس الوقت تجد وَهَن ردود أهل السنة على كثير من أدلة المعتزلة فتتساءل حينها من الأولى بالمذمة في هذا الموقف؟!

خلاصة القول: أن السلفية ما هي إلا مذهب وجماعة معاصرة مثل كل المذاهب الأخرى لها منهج معين متمركز حول كُتب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، جمعت مجموعة من الآراء والاجتهادات اختلفت بها عن بعض الجماعات الأخرى وكلٌ في النهاية ينشد الصواب والوصول للحق فلا فضل لأحد على أحد ولا أفضلية لأحد بزعمه أنه المحتكر للفهم الصحيح للإسلام بدعوى أنه تابع للسلف فالجميع يريد اتباع السلف وشاء الله أن يتفرق المسلمون في مفارق شتى وتبقى الكلمة الخالدة لحسن البنا هي المخرج والملاذ في وسط كل هذا الشقاق والنزاع:

(نجتمع فيما اتفقنا فيع ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه)..............................