تكلمنا من قبل عن لحظات عجيبة تحدث فيها الصداقة واليوم نتكلم عن لحظة تحول العداوة إلى صداقة !

اختلاف الآراء مع قلة سعة الصدر نتيجته الكراهية والنفور ! ومع كل لحظة اختلاف وصدام وتأجج للنقاش تزداد الكراهية بل قد تصل لحد التطرف والإقصاء والرغبة في القضاء على الخصم ، ولكن ذلك الخصم قد يكون على الحق المبين و اختلاف خصمه معه إنما نشأ نتيجة لظروف تربيته ومجتمعه و نشأته الخاطئة ، ولكن خصمه المحق لأنه على الصواب يتحرى الأخلاق الفاضلة والمثل العليا في سلوكه وتصرفاته وهو ما يحرج صاحبه الشرير الذي في ابتداء الأمر يضيق ذرعا باستفزاز خصمه الطيب له بأخلاقه الفاضلة غير المتوقعة وغير المقابَلة بمثلها من جانبه هو ولكنه لا يلبث أن يقف مع نفسه وقفة تأمل و رجوع للعقل والقلب ، لحظة ملاكية تنصرف فيها الشياطين ، لحظة تحوم فيها نسائم الجنان و يتبخر فيها سرادق الجحيم ! حينها يعود ذلك المرأ إلى صوابه و يعود لمناقشة صاحبه بهدوء واطمئنان ورغبة جديدة في التلقي ومعرفة الصواب وهنا تحدث اللحظة الفارقة ، لحظة التبدل والتغير والعودة إلى الفطرة والصواب ويتحول الخصم العنيد إلى متفاهم بل موافق لرأي صاحبه ، وبعدها يتأمل ذلك الموقف العجيب ويشعر بخطئه ويشعر كذلك بالإعجاب بذلك الإنسان الذي اتخذه عدوا من قبل أن قد وصل إلى الحق والحقيقة قبله بل دله عليها وأخذ بيده ليصل إليها ، وتدريجيا يتغلغل الحب بعد كنس شوائب الكراهية من القلب ويتحقق قول الله تعالى ( فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) وحينها يحصل التجاذب بعد طول التنافر والحب بعد الكره ، ويتحقق قول القائل : ( من حبّ إلا بعد عداوة ) كما قال أبو بكر الخالدي :

وكَمْ مِنْ عَدُوٍّ صَارَ بَعْدَ عَـــداوَةٍ  *صَديقاً مُجِلاًّ في المَجالِسِ مُعْظِما

ولا غَرْوَ فَالعُنْقودُ مِنْ عودِ كَرْمَةٍ *        يُرى عِنَباً من بَعْد ما كَانَ حِصـْرِما

ويتعجب المتعجبون و يصير الصديقان الجديدان مضرب المثل و مثار الدهشة والعجب كما قال عبيد بن أيوب العنبري :

خليلا صَفاء بعد طول عداوةٍ *        ألا يا لتقليبِ القُلُوب وللـــــــــــدَّهرِ

هذا المشهد الرائع رأيته بعيني والتبست به بنفسي وكان المشهد هو مشهد الملتزم المتدين حين يكرهه ويعاديه المتحرر المتحلل الذي يصف صاحبه بالتشدد والضلال ولكنه لا يلبث أن يلين قلبه ويضعف أمام الحق والحقيقة فينصاع لطريق الهداية و يكتسب منه صديقا عزيزا قلما يجود به الدهر وهذه هي حقا روعة الحياة !............