للصداقة حين بدايتها أحوال وأشكال ، تلك الأحوال التي تنقل العلاقة من الصحبة إلى الصداقة ، ظروف محورية في حياة المخلصين تبدأ عندها نقطة تحول ، عندها تتخذ العلاقة صورة جديدة في حياة القرينين ، عندها تجب واجبات و تقع على عاتقيهما مسئوليات فقط عند تلك اللحظة الفارقة الصادقة التي تنكشف فيها الحجب ويصير القلبان قلبا واحدا ...............

1- لحظة حب !

تأتي تلك اللحظة بعد فترة طويلة من اللقاء والمصاحبة ، في لحظة لقاء منفرد بينهما يخيم الصفاء و يزدان الصاحب في عين صاحبه ، ويشعر القرين بأن الدنيا مبتسمة من حوله وأن الآفاق قد اتسعت مشرقة متلألئة ، وصاحبه قد صار ملكا متوجا ، حينها يرى الصاحب صاحبه في أبهى صوره و أجمل تألقاته ، فلا يجد تعبيرا لائقا ولا كلمة معبرة ولا امتنانا حقيقيا سوى أن يقول : إني أحبك !......... نعم أحبك في الله........... كتمتها طويلا ولكني لا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك ............ هذه أنسب لحظة لأقولها لك ....... هذه ليست كلمة معيبة ولا لفظا مشينا بل كلمة رغّب فيها الإسلام و تحتاجها الإنسانية المعذّبة التي شقت كثيرا وأظلمت أركانها حين خلت من معاني ذلك الحب وتلك الألفة ............ تلك المعاني التي أحتاجها الآن بيني وبينك ............. نعم أنت من بين الناس أحببتك ، كثرت الأسباب ، و الإبهام كذا قائم ، فلا تسألني لماذا أنت بالذات دون غيرك وإن اشتركوا في تلك الأسباب ، فهذا لا أعلمه ولا أملك الإجابة عنه ، فيض من المشاعر يجيش بخاطري و دفقة من العاطفة تنبعث من أحشائي كضوء الشمس المتلألئ كتمتها كثيرا وفي تلك اللحظة بُحت بها لأستريح ،ولك الاختيار أحببتك لنفسك لا أريد منك جزاء ولا شكورا !!.................

حينما يسمع تلك الكلمات العذبة الصاحب الودود المحبّ الذي أصابه سهم الحب كما أصاب صاحبه لا يملك حينها إلا أن تنفجر شفتاه قائلة : ووالله أنا أحبك كذلك بل أحبك أكثر مما تحبني ، وترددت في البوح بها ولكنك كنت صاحب الفضل حين سبقتني وأعلنتها واضحة صريحة ، إنني لا يسعني الكون الآن حين أسمعها منك ، إنني أكاد أفقد عقلي بكلماتك الرقيقة التي أنا بها أسعد الناس وأكثرهم حظا بفوزي بحبّ شخص عظيم مثلك ! جزيت خيرا أن أرحت قلبي و ملأت علي دنياي و جعلت للدنيا طعما حلوا بعد مرارتها كثيرا كثيرا ..................

فيرد الصاحب الواله الذي لا يصدق أذنه ولا عينه : الآن أنت صديقي ، الآن ابتداء عهد جديد بيننا وصفحة جديدة من حياتنا ،الآن لن تفترق قلوبنا ، سنخوض غمار الدنيا معا ، سنحطم صخور الحياة سويّا ،سنتعاون على البر والتقوى ، سننمي حبنا و نحيطه بالرعاية و الاهتمام ، سنعمق أواصرنا إلى الأرض السابعة ! و نعلو ببناء أخوتنا إلى أبعد سماء ! لن نسمح لأحد أن يتدخل بيننا ولن نرضى بأي مشكلة تكدر علينا صفو حياتنا ، ستظل أيادينا متشابكة سأظل نصيبك وستظل نصيبي من الدنيا إلى أن نلقى الله فنلتقي تحت ظله يوم تزول الظلال و تنتهي ولا يبقى إلا ظله الظليل فيشملنا الحب في جنة الآخرة كما شملنا في جنتنا في الدنيا !!............

إنه ابتداء أخوة جديدة تزدان بها الدنيا و تتلون بها الحياة ، حياة كانت بلا طعم فصارت حلوة عذبة المذاق ، ترفرف من حولهما طيور السعادة و تحيط بجوانبهم نسائم الصفاء ، يتعرف من خلالها الرفيقان يوما بعد يوم على حقوق الأخوة فيزداد العمق و يشتد عود الصداقة وتنبني صداقة السنين و أخوّة العمر !