حين تطحن الدنيا الإنسان بطواحينها ويوم تمزقه بمخالبها و أسنانها ، و ساعةً تقطعه بتروسها و مُداها – ساعتها لا يصاب الإنسان بأذاها وحده ، بل تكسّر الدنيا الناس جماعات لا أفرادا ! وهذا من بأسها وشدتها وجبروتها الذي يستعصي على الجماعة أحيانا !

فساعة إصابتك بكارثة لا بد لك من رفيق محنة ، ظروفه مثل ظروفك ومبتلاه مثل مصابك ، قد تغفل عنه عيناك ، ولكن عقلك الباحث لا بد ألا يغفل عنه ! فالنفوس جُبلت على التقرب من شريك المحنة ، فمعه تشعر حينها بذاتك ! ولحظات حديث معه لحظات ملطفة للقلب و مبردة لنار العقل والفكر ! لحظات بريئة خالية من نظرات الحقد والحسد فالحال واحدة ! و أوقات بريئة من أوحال المقارنة والتعجب والتسخط فالبلية غير مختلفة ! بل أعجب من ذلك أن بعض النفوس في تلك اللحظات تحنّ لمن هو أضعف منها وأذلّ و أقل حالا وأشد بؤسا فمعهم تشعر النفس بنعمة الله التي أنعم بها علينا وتتمثل قول رسوله الكريم ( انظروا لمن هو أسفل منكم ولا تنظروا لمن هو فوقكم فهوأجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم ! ) بل تمدّ لهم يد العون الكسيرة شأنها شأن المثل العربي الشهير ( ظالع يعود كسيرا!)

في تلك الأوقات الجامعة للممتحَنين المبتَلَْين تتآلف القلوب وتختلط الأرواح ، وتمتزج نسائم النفوس ، وتولد صداقات جديدة المحنة الجامعة أساسها ولكنها تستمر بعد المحنة إلى نهاية الحياة ........

أرأيتم السجناء المظلمين ؟! حين يجتمعون على الكربة تجتمع قلوبهم في يسر بالغ ، فهم يقضون كل أوقاتهم جميعا .. فيكثر الحوار و تنكشف الأسرار وتتعمق الرابطة و يأتمن كل واحد الآخر على نفسه وسرّه ، بل تظهر معان جديدة راقية بينهم مثل معنى الإيثار و معنى التشارك في الطعام بلا أَثَرة أو تكبّر بل يشغلون أوقاتهم بطاعة الله بذكره والاجتماع على الصلاة وقيام الليل ، تلك اللحظات الإيمانية الراقية التي ربما افتقدوها خارج السجن و بعيدا عن محيط المحنة ، بل الرابط الأعظم هو الاشتراك في الأمنية ووحدة الهدف و انتظار شيءواحد هو فرج الله تعالى ......... أليس كل ذلك كافيا لنشأة صداقة دائمة فولاذية ؟! إذا أردتم فهم هذا الشعور فاسألوا سجناء كلمة الحق في هذا العالم فهم كثيرون .....


ومثل السجن المنفى خارج الوطن سواء أكان إجباريا أم اختياريا فهو في النهاية ضد رغبة النفس التي تجنح إلى الاستقرار وسط أهلها وأصحابها فتجد المتنفس في المرافقين الجدد في رحلة الحياة الجديدة المليئة بالغموض والتوقعات الغيبية ، نفس المأساة و نفس المعاناة في من معنا من المنفيين تحفز جنوحا إليهم و استئناسا بهم من وعثاء السفر والغربة ومع كثرة الاقتران يحدث الائتلاف وتتولد مشاعر أخوية راقية تذيب جمود الوحشة و تكسر معاني الغربة وتنمو صداقة جديدة روتها الظروف ومنحتها الحياة على رغم جدب الأرض وصلابتها!

وحين يعود الرفقاء إلى الديار لا ينسون بعضا ولا يفترقون روحا ، فلا يلبثون أن يعاودوا الاجتماع لينثروا الذكريات و يخططوا لحياة جديدة وواقع مشرق ، تلك النفوس الطيبة الهينة التي تألف وتؤلف لا تتنكر للماضي بل تحتضنه و تتشبث به ، أماالنفوس البرجماتية المحضة فلا تستثمر المحن في اكتساب أصدقاء يستمرون طول الحياة وإنما تستثمرها لمنافع مؤقتة زائلة تحكمها المادة وليس لهم من متاع الروح نصيب ! وإذا أردتم فهم شعور المنفيين المحبين الطيبين فاسألوا أصحاب (عُرابيّ ) فعندهم الخبر اليقين!


أما رفقاء السلاح فلهم شأن آخر ! فهم رفقة في مكان يحفّه الموت من كل جانب، أناس ينتظرون الموت في أي لحظة ، طلقة رصاص واحدة تنهي كل شيء ! يذهبون للنوم معا ولا يدرون أهو آخر منام لهم في فراشهم أم تجود عليهم الدنيا بمنام آخر ! يتفحص كل منهم صاحبه ورفيقه منذ سنوات ولا يدري هل سيراه بعد لحظات أم تأتيه رصاصة طائشة أو طلقة مدفع وينتهي كل شيء ؟! أناس أجبروا على مجابهة الموت معا ليس لهم رغبة فيه بل له رغبة فيهم ! في تلك اللحظات التي يختلط فيها الموت بالحياة واليأس بالأمل تتولد علاقات قوية بين نفوس حين تلتقي تغشاها الرقة المفرطة و الحنان الأخوي السابغ ، يطرح كل منهم أسراره بلا خجل ولا حرج يبوح بكل ما لديه فلا شيء يبكي عليه ، تنشأ روح التعاون والتآزر بل ينبثق نسيم الحب المنعش الذي يهوّن الجراح و يهدئ النفوس ولم لا يقع ذلك و هؤلاء الرفقاء قد نفقدهم في أي لحظة ؟! أليست تلك اللحظات الباقية من حياتنا وحياتهم جديرة بشمولها بأعلى روح أخوية صداقية لنعيش أسمى إحساس وأرقى شعور ؟؟!! وعلى الجانب الآخر تملك اليأس بعض الرفقاء الذين نظروا للموقف نظرة مختلفة ، فقالوا كيف نتعلق بأحياء اليوم وموتى الغد ؟! أليس ذلك ضربا من الحماقة وتعذيب النفس ؟! أنحب اليوم ونبكي وننتحب غدا ؟! كلا .. ليكن بيننا وبين رفقائنا حجاب مستور يصد الريح التي لايعلم مداها ومنتهاها ، لنغلق قلوبنا و ننطو على أنفسنا لئلا نكتوي بنار الفراق والنحيب ! تلك المشاعر المتعاكسة لا يعلمها إلا من جربها ، إذا أردت أن تعرف حقيقة تلك المشاعر فاسأل جنود الحرب العالمية الأولى فعندهم أعجب خبر !! .............

تلك أمثلة على المتشاركين في المحن والأمثلة لا تنتهي كما أن الكربات لاتنقطع ما دامت السموات والأرض !!