"زوجة لا تنفعل The Constant Wife"... كوميديا الأخلاق المتألقة

بقلـــم الأديب المصـــرى

د. طأرق رضـــوان جمعـــه

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آيَة المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا اؤتمن خان).

تُرى ما هــى الثقة ؟ وهل يمكن إستعادتها بين الناس بشكل عام وبين الزوجين بشكل خاص؟ وما أسباب فقدان الثقة أصلا؟ وما الأثار المترتبه على فقدانها؟ وما طعم حياة الشك؟

دعونا فى البداية قبل الخوض فى موضوع مقالنا اليوم نأخذ لمحة بسيطة عن الأدب الانجليزى ودوره فى معالجة المشاكل الإجتماعية والتصدى لها. فالأدب الإنجليزي مرآة للشعوب وتطور حضارتهم وفكرهم. وتعتبر ثقافة الأدب الفيكتوري هى أفضل العصور في تاريخ بريطانيا من حيث الإقتصاد والتوسع والسياسة والإلتزام بتعاليم الدين والكنيسة. وبعد نهاية العصر الفيكتوري تغيرت الحياة الإجتماعة بشكل واضح وظهرت طبقة متوسطة جديدة تحمل بعض الأفكار المتحررة مما جعل أدباء تلك الفترة يستخدمون أسلوب الكوميديا في معالجة مشكلات المجتمع وهو ما عرف بـ "كوميديا الأخلاق المتألقة".

وكتب الكاتب الإنجليزي سومرست موم عام 1927 مسرحية "زوجة لا تنفعل The Constant Wife" والتي تعتبر محاولة منه لإيجاد حل لعواقب خيانة الزوج لزوجته وفقدان الثقة بينهما. فالخيانة أبشع موقف من الممكن أن تواجهه المرأة وخصوصًا إن كانت مرأة غير محررة اقتصاديًا مما يزيد من تورطها وأزمتها النفسية.


قصة المســـرحية

احتفظ "جون" و"كونستانس" برباط المحبة على مدار خمسة عشر عامًا من الزواج شارك كل منهما الآخر ميوله وكانت تعتز بنجاحه وكان يرتجف خوفًا عليها أثناء مرضها وهو ما استطاعوا به أن يواجهوا عاصفة الخيانة التي كادت أن تنهي حياتهما معًا، ولكن كان عليهما الأخذ في الإعتبار بعض التفاصيل الدقيقة بين الزوجين التي تساعد على تجديد المشاعر وتضمن استمرار الحياة الزوجية؛ فالرجل له كل الإخلاص والتقدير من المرأة ولكن يجب ألا تتحمل الزوجات أكثر من الأزواج "أريد أن أشعر بلمسة يدك وأن تناديني بأسماء التدليل وأن تضمني بين ذراعيك القويتين"، أما من الجانب الآخر لها كامرأة فقد صانت "كونستانس" عهدها مع زوجها حتى وإن كان قد خدعها فهى ترى إنهما زوجين سعيدين وأن زواجهما مثاليا، مما جعلها تتصرف بحكمة.

ربط الكاتب فعل الخيانة بغياب اللياقة والأدب بعد موت الملكة فيكتوريا ، فالطبيب المشهور "جون مديلتون" يكون طرفاً في علاقة غرامية مكشوفة مع صديقة زوجته المقربة "ماري لويز" والتي يتخيل البعض أن "كونستانس"، الزوجة، لا تعلم عنها شيئًا مما جعلهم يسمحون لأنفسهم بالتدخل في حياتها الشخصية ، ومما يزيد من تعرضها لمشاعر سلبية قاسية عندما يقوم أقاربها بعقد مقارنات بينها وبين صديقتها الخائنة في المظهر واللباقة وحتى في أعمار كلًا منهما وإعطاء النصائح بالإنفصال عن زوجها الذي يخون زوجته الجميلة المثقفة والذي جعلها موضع سخرية مريرة وصلت أن يوصفها البعض أنها أصبحت "اضحوكة" بين الأصدقاء والعائلة.

من منظور الزوجة الصالحة كانت "كونستانس" تعامل "جون" بقواعد ثابتة كامرأة عاقلة فهي لا تسأل مثًلا زوجها أين يذهب، كما تتظاهر بعدم معرفتها لبعض الأمور البسيطة التي يود "جون" أن يخفيها عنها ، وتفترض "كونستانس" أن معاملة الزوج المثالية تستلزم اعتباره طفلًا.

"الرجال مثل الأولاد الصغار بالطبع فيهم شقاوة أحيانًا .. إنهم يعلقون أهمية كبيرة على الأشياء التافهة .. إنهم لطاف وطيبون وأنانيون ولا تستطيعين أن تمنعي نفسك عن حبهم .. إنهم أذكياء وبسطاء ليس فيهم تعقيد أو مكر ومن الخطأ أن تأخذيهم بالشدة". كما كانت كأي زوجة مُحبة تقوم بالتركيز على صفات "جون" الإيجابية فقط وتكتفي بروحه المرحة وطريقة تصرفه المعتدلة ودائمًا ما تميل لفكرة أن الزوج إذا أهمل زوجته فهذا خطأ منها و"عليها أن تكون أكثر جاذبية من تلك النساء"، ولعلمها أن للنساء سمعة وعليهن أن يغمضن أعينهن للحفاظ على بيوتهن واجهت علاقة زوجها بصديقتها بمنتهى الثبات ، فهي لم تكن تجهل تلك الحقيقة ولكنها كانت تتحمل عبء إخفاء هذا السر القاسي حتى عن زوج "ماري" نفسه.

فقررت أولًا أن تعتمد على نفسها وتستقل عن زوجها من الناحية المادية فطالما كان الزوج مستمرًا في الإنفاق عليها فكيف يكون لها الحق في الشكوى أنه غير وفيّ لها؟! " إن الأمر يرجع إلى الموقف الإقتصادي فهو قد اشترى اخلاصي وسأكون أحقر من فاجرة إذا قبضت الثمن ولم أسلم البضاعة" ، قبلت "كونستانس" بالعمل الذي عرضته عليها صديقتها من قبل كمهندسة ديكور ، وبعد مرور عام سددت مبلغ من المال في حساب "جون" في البنك مقابل إقامتها بالمنزل كما أخبرته بقرارها السفر في عطلة مع صديقها "برنارد" وهو ما وضعه في نفس الموقف وأثار غيرته وغضبه بشدة ليكتشف بنفسه أنانيته وحماقته وكيف كان من العبث أن يخدع زوجته المخلصة، لم تستسلم "كونستانس" للتراجع عن موقفها حتى تأكدت تمامًا أن "جون" أصبح على علم بالضرر الذي ألحقه بها منذ عام وإعترافه بأنه قد رأى بها سحرًا جديدًا "يا لك من محيرة ومربكة .. إنك أكثر النساء عنادً وجموحًا وروعةً وفتنة".


ووفقا لدراسة امريكية والتي شملت 180 شخصا وأجراها الباحثون في جامعة نيويورك، فإن الشكل المتغير من جين 4DRD يؤثر على معدل مادة الدوبامين في الجسم، وهي المادة التي تؤثر على المشاعر والمتعة وتلعب دورا في الإدمان.

لكن أستاذ علم النفس الألماني، فولفغانغ كروغر الذي تتركز دراسته منذ عقود على موضوع الخيانة رأى أن السبب الحقيقي للخيانة في نحو 60 بالمئة من الحالات يرجع إلى عدم سعادة الشخص في علاقته الحالية، إذ أن الخيانة هي مؤشر على وجود خلل في العلاقة العاطفية. وأكدت دراسة كندية صحة هذه النظرية إذ خلصت إلى أن الأشخاص السعداء في علاقاتهم العاطفية، أقل استجابة للمغريات الخارجية.

بدليل أنه في الوقت نفسه أظهرت دراسات أخرى وجود اختلافات في الميل للخيانة حتى بين التوائم المتطابقة التي تتشابه جيناتها لكن تختلف تجاربها الحياتية والعاطفية. مشاعر الحب والاحترام هي أساس العلاقة الزوجية الناجحة، وهي التي تُولد الثقة بين الزوجين. أما غياب الثقة فهو كفيل بخلق جو عام من التوتر وانعدام الترابط الأسري.

فما هـــى الثقة؟ الثقة بين الزوجين تعني الاطمئنان.
الثقة بمفهومها أيضاً تعبر عن الصدق.

فلابد من الصدق والصراحة والتحدث معاً في جميع الموضوعات دون خوف أو خجل.احرصي أنتِ وزوجك دائماً على عدم إفشاء أسراركما الخاصة خارج جدران بيتكما. لا تسمحي لأي شخص بالتدخل بينك وبين زوجك في أي أمر من أمور الحياة. يجب ألا يقوم أحد الطرفين بتحميل الطرف الآخر كامل الأعباء والمسؤوليات الأسرية. والغيرة المفرطة تؤدي الى زيادة التوتر في العلاقة بين الزوجين والتوتر يعتبر أرض خصبة لحالات الكتمان والكذب والشجار والعصبية التي تؤدي جميعها لفقدان الثقة بين الشريكين.

وغياب الثقة يؤدى إلى كوارث تربوية ونفسية منها: التباعد بين أفراد العائلة، انعدام الرأفة والحنان في البيت وشيوع الأنانية، حيث يهتم كل فرد بأموره الخاصة.

ولكن ماذا يحدث بشكل فطرى وتلقائى حين تشعر الزوجة بفقدان الثقة فى زوجها؟

ظاهرة الخيانة الزوجية ظاهرة غريبة اساساً على المجتمع العربي بشكل عام كون الزوجين تربيا على مكارم الاخلاق وعلى التعاليم الدينية الصحيحة. وهى في كل الأديان السماوية واللاهوتية أمرا لاأخلاقياً فلم نجد أي ديانة في الأرض أباحت الخيانة بل تراها رجسا. وأول إحساس ينتاب الزوجة هو الفضول للإطلاع على شخصية تلك المرأة التي يتم معها ممارسة الخيانة الزوجية وما هي الأسباب الدافعة وراء تلك الأفعال.

ومن الطريف اعتقاد البعض فى دراسة تمت على أكثر من 5 آلاف شخص من 96 دولة، حول آثار الانفصال بسبب الخيانة، أن تعرض المرأة للخيانة له مزايا، وهي أنها تتخلص نهائيا من زوج غير مخلص، بالإضافة إلى أنها تكتسب خبرات تؤهلها على اختيار شريك حياتها المقبل بعناية وبتعقل.وهذا قول أرى أنه غض النظر عن جروح نفسيه وأزمات عقلية كثيرة تاركاً نفوس شبه محطمه، لا تريد بناء حياة جديدة بل كارهة للحياة. فالخيانة والشك بارعان فى تحطيم القلب وانتزاع الحياة من أحشاء الروح، وتقول الدراسة أن هذه المارة تُنسى فى خلال فترة زمنية من ستة أشهر إلى عام. وأرى بالطبع أن هذا أمر نسبى متفاوت من حالة إلى أخرى.

وبخلاف الزوج الخائن، فإن هناك خاسر آخر من وراء الخيانة، بحسب الدراسة، وهي المرأة التي يخون الرجل زوجته معها، وذلك لأنها لن تضمن ولائه لها، لأن الخيانة من طباعه.

كما تؤدي قلة الثقة بين الزوجين إلى الشعور بالاكتئاب والتوتر الدائم والقلق المستمر في العلاقة بينهما. وتؤدى إلى زيادة شعور الإستياء لدى الأطفال بسبب الاضطرابات بين الشريكين في المنزل ما يدفهم إلى عزل أنفسهم عن الأبوين وبالتالي عدم معرفة الأبوين للمواقف والصعوبات التي يمر بها الأطفال خلال حياتهم المدرسية أو حياتهم الاجتماعية ما يزيد نسبة الخطر الذي يقع على الأطفال خارج المنزل كمواقف يتعرضون لها مثل التحرش أو الاستغلال.

و تختلف أساليب إعادة الثقة بين الزوجين باختلاف الأسباب التي أدت لفقدانها ولكن المفاتيح الأساسية لإعادة بناء علاقة ناجحة بين الشريكين هي التواصل والحوار الصادق بينهما .

1- الصبر على الطرف الآخر

2-الاستماع للطرف الآخر ومناقشة الأمور المشتركة

3- الرضا الجنسي في العلاقة الزوجية

وختامــاً،لا توجد أي مبررات للخيانة سوى أنه نقص في الإخلاص من الزوج للزوجة أو العكس. فمن المؤسف حقاً أن تبحث عن الصدق في عصر الخيانة وتبحث عن الحب في قلوب جبانة. فالخيانه لها صور مختلفة وليست الخيانه أن ينفر الرجل من زوجته ويبحث عن غيرها ،أوأن تحب الزوجة رجلغير زوجها. فإذا كنت تحب بصدق فلا تتخاذل لأن التخاذل هو الخيانة ولكن بحروف مختلفة. ولتعلم أن الحب يتحمل الموت والبعد أكثر مما يتحمل الشك والخيانة. لكن الخيانة تحطم القلب وتنزع الحياة من أحشاء الروح.