تحية إلى بهاء طاهر في

يوم عيد مولده

                                                       ناصر خليل 

لن أنسى هذه اللحظات وأنا أمسك بيد الروائي الكبير بهاء طاهر وهو يتكئ على ساعدي وهو يصعد درج مقر حزب التجمع بميدان طلعت حرب لحضور ندوة خُصصت لمناقشة نصوص لمبدعي نادي القصة بالأقصر في شهر مارس 2013 وقلت لنفسي هل (أستطيع أن أتحمل ثقل كانب مبدع كبير في قامة ومكانة بهاء طاهر !!!) ولكنني كنت سعيدا برفقته وبحديثه العذب عن بلده الأقصر موطن أجداده ، زادت سعادتي أنا ورفقائي آنذاك عندما سمعنا كماته  في الندوة " الجيل الجديد من كتّاب القصّة في الأقصر يواصل ما بدأه الروّاد، لم أكن أعرف أنّ السرد في الأقصر تميّز بهذا الشكل وتطوّر لمثل هذا المستوى، إنّما ذلك ليس بجديد، فالأقصر مدينة مبدعة في الأصل بجغرافيتها وطبيعتها الساحرة، وإنّ أبناءها الذين يعيشون في كنف الحضارة الفرعونية –وهي أعظم حضارة في تاريخ العالم- ينحتون في الصخر وفي ظروف شبه قاتلة، رغم ذلك يصرّون على الإبداع ويُخرجون أعمالاً مبهرة، وتظلّ الأقصر لها التفرّد ولها الصدارة ولها كرسي عرش السرد في الوطن العربي، و"نادي القصّة بالأقصر" المستقبل المثمر في السرد إن شاء الله."

فبهاء طاهر يسلك درب أجداده القدماء الذي عاشوا في طيبة ،قضوا حياتهم في حفر تاريخهم الناصع في سجلات الخلود الجرانيتيه ولكنه استبدل الإزميل بالقلم والحجر بالورق فأمد الذائقة العربية بأروع الروايات والقصص .

لم يجف مداد قلمه ولم ينضب معينه و لم تعوزه قريحته منذ أن قدم للقارئ العربي باكورة نتاجه مجموعته " الخطوبة " ومازال يكتب حتى الآن . إنها رحلة طويلة مع فن القص ، تُوجت بحصوله على جوائز عدة، منها جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة 1998 وجائزة جوزيبي أكيربي الإيطالية سنة 2000 عن رواية "خالتي صفية والدير"، وجائزة آليزياتور في علم 2008 عن رواية " الحب في المنفى " وجائزة البوكر العربية في نفس العام عن روايته "واحة الغروب".

بهاء طاهر يمتلك نواصي السرد ، يكتب بحس ضارب فى نفوس قراءه ، ينحاز سرديا وموضوعيا للإنسان ومعاناته وطموحه ومستقبله، يولي عنايته لجماليات سرد التفاصيل القابلة لتعدّد التأويل والتي تفرد مساحة من التأمل الوجودي .

في رواية "واحة الغروب" استلهم التاريخ والأسطورة، استخدم في هذه الرواية ضمير الشخص الثالث المحدود أو الأنا المتعددة ولم تستأثر الأنا المفردة بالحكي طوال الرواية وكان هناك تعدد لوجهات نظر الأبطال المعروضة على القارئ .

في رواية "خالتي صفية والدير" يغوص في عوالم الصعيد ويقدم شخصياته بصورة إنسانية وعلاقة الأنا بالآخر ،يقول دكتور على الراعي عنها " العالم في هذه الرواية مجموعة من العوالم التي تعيد صياغة بعضها البعض وتستخلص الأسئلة المثيرة من قبل الأجوبة ،الرواية بأكملها سؤال أبدعته كتابة حديثة فاتنة الجمال " .

في رواية " الحب في المنفى " يرصد خيبات وفشل الذات الفردية والجماعية وتحطم أحلامها على أرض الواقع ويتمادى حتى السخرية من الذات العربية وانكساراتها في فترة حرجة من تاريخها بعد نكسة يونيو في العام سبعة وستون .

بهاء طاهر يؤمن حسب قوله أن " الرواية الحقيقة هي التي تفكك الواقع المألوف وتعيد تركيبه مرة أخرى ،وتطرح أسئلة عن ماهية الحياة والوجود ." تحية إلى الكاتب الكبير بهاء طاهر في يوم عيد مولده.     ناصر خليل