أقْبِلْ أيَا ساقيًا للراحِ لا تنمِ

بينَ المُضَيَّع أعمارٌ ومُغْتَنَمِ


إنَّ المَنُونَ قصيرُ العمرِ فلتَعِشِ

لا تُلْقَيَنَّ بذي الأدهارِ في أَتَمِ


أو فلتراعِ إذِ السيرِ اشتياقَ فلا

تُبْطيْ شرابًا على ذا اللَّيِّعٍ السَقِمِ


أعيا فؤادي شرابٌ سحُّهُ يَقَظٌ

فاسْلُكْ لنا هَرَبًا بالسُكْرِ من أَجَمِ


أم هل أغادر في المَظَانِ منْ سُرَرٍ

أم هل تغادر شِعري أَكْمَةُ الحِكَمِ


إني وإنْ أَكُنِ المسموعَ لي كلِمٌ

إني شقيت ويشقى الناسُ من كَلِمي


إني وإن أَكُنِ المستاءَ من حَزَني

إني وإن أَكُنِ المرتاحَ في النُعْمِ


إني وإن غَدَرَتْ بالقلب من أُتُنٍ

إني وإنْ أَعُدِ المشتاقَ في الدُهَمِ


لقد علمتُ مَمَاتًا ليس طالبُه

رُدَّت عليه أياويمُ لمُخْتَتَمِ


دعني المنايا إذا أرجو حَبَائلَها

ما أرْجَأَ الرَمْيُ عمرًا ثم لا تَلُمِ


أي بنتَ صيْبٍ فليت الناسَ ما فرقوا

بينَ المُحِبِّ رِهامًا ثم لم يرِمِ


أو ذاك من غاسقُ الليلاءِ إنْ يَرِدِ

ذكراكِ والصُبْحَ لا واللهِ تنصرمِ


وأنتِ يا حُبُّ والأيمانِ وليَسَلوا

إن كنتُ بعد هواكمْ قَيِّمَ الهِمَمِ


إني وقفت ديارًا أينَ ربَّتُها؟

وارتابَ قلبي وما قد ضلَّ من بَرَمِ


يا دارها كيف تغدو الدارُ ساكنةً

عَهْدُ الهوىٰ برِهَامٍ شَادِيُ النغَمِ؟


يا دار ودٍّ فتاك الأرضُ أرضُكُمُ

قُدْسٌ وطُهْرٌ سَمَتْ باللهِ مِنْ حَرَمِ


إني حييتُ على وَصْلٍ ولم أَنَلِ

وَعْدًا لئن تَعِدِ الأزمانُ يَنْثَلِمِ


إني خشيتُ على الجفوانِ من حَيَفٍ

يصلى به مَنْ صالٍ نقْمَ مُنْتَقِمِ


وقد بقِيتُ وعند الليل أسْأَلُهَا

علَّ القديرَ سميعُ السؤلِ في الظُلَمِ


رجوتُها تُبقيَ الوصلَ الذي قطعتْ

قالت أشاءُ وربَّ البيتِ إنْ يَرُمِ


يا دهرُ فيمَ الخصامُ وأنت مِنْ فَطَنٍ

أني كأجدلَ عبْلٍ ماجدِ الشَمَمِ


بل فارسٍ بجوادٍ وقْصهُ دَئِبٌ

حتى علمتم بنا من أنبلِ الشِيَمِ


جَسْرٌ زئيرٌ كمثل الأُسْدِ حائمةً

هوْ مِيثمٌ في وطيس الحَزْن والأَكَمِ


هوْ بادنٌ سَنَدٌ لا يعرف الصَعِبَ

باليسر يطوي طروفَ البيدِ في الظُلَمِ


ثم الحبيبةُ قد عُلِّقْتُ سِيرَتَها

حتى لكادَ فؤادٌ دُقَّ بالشَّجَمِ


ليس المقيمَ بمالٍ ذا الفتى شرفًا

ولا الفتى نيلُهُ بالمال من جَمَمِ


قلبي أحرُّ من الجمْراتِ في لَهَبٍ

ثم المُحَبُّ ينام القلبُ في شَبَمِ


عيني قلاها كرىً واللِّمَّةُ اخْتَضَلَتْ

قد عوَّمتها دموعُ العينِ كالعَرِمِ


إن تسألِ القومَ في صبحٍ عنِ الشعِثِ

عُلمتني جَعْشَمًا أم ذاك من زعمي


إن عادك الفتيانِ تُبْصِرِ المُهَجَ

طَمَّتْ أشاجعها رَغْمًا من الغمِّ


إن تسأل الشِعْرَ يُصْمِتْ حرفَه الغُمَمُ

والقلبُ أقوى خوىً كالطِمطِمِ العَجَمي


ماذا يفيدُ شَكاةٌ ما لها حَكَمٌ

ما فاعلٌ كَلِمٌ والناس في صَمَمِ


ما أجزلَ الصمتَ إن كان الشكاةُ سُدىٰ

مَنْ يعرفِ العُدَوَاءَ في الهوىٰ يَطِمِ


---------------------------------------------------

بيان المعاني والمفردات:

الراح: الخمر

المنون: الدهر

الأتم: الثبوت والإقامة في المكان، والمراد: التراخي والكسل

اللَّيِّع: مبالغة من اللائع، نقول: لاع يلوع لوعةً

السَقِم: المريض المعتل

السح: هو التِسكاب، وهو مجاز من السُقيا 

أجَم: نقول هو في أجَم إذا مل تكرار الطعمة أو الشربة

أغادر: أترك

أكْمَة: الأصل أَكَمَة وهو المرتفع من الأرض والمراد الشدة والثقل

النُعْم: رخاء العيش والرفاهة

أُتُن: جمع أتان وهي أنثى الحمار، كناية عن الإناث الغادرات

أعُد: أصبح

الدُهَمْ: الظُلَم، الليالي الداكنة

الأياويم والأياييم هي جمع الجمع لأيام، وهي في الشداد والأيام الصعيبة، والبيت يعني أن طالب الموت لا يناله ما لم يرده أجله المكتوب عليه، ولا هو يفلت من أيامه العسيرة إلى ختامها بمراده. 

المنايا: الموت 

حبائل: مصائد

الرمي: التغافل، والمراد: الصمت

لم يرِم: بكسر الراء من يريم رَيمًا؛ أي: لم يزل

غاسق الليلاء: أول الليلة الشديدة الظُلمة

تنصرم: تنقضي

قيِّم الهمم: ذا عزم

ربَّتها: صاحبة الدار

البرَم: السأم والضجر

تاك: تلك

ينثلم: المراد يُخْلَف، والفعل انثلم: تهدَّم وانتُقِضَ.

يرُم: بضم الراء من يروم رَوْمًا ومرامًا أي يريد

أجدل: الصقر

عبْل: متين الجثة، والمراد القوة

ماجد: شريف عظيم

الشَمم: الارتفاع إلى القمة، والمراد: الشموخ والعُلا والرفعة

وقْص: من وَقَصَ أي قضى السير بهمة حتى كسر رؤوس التلال، فنقول: وقص الفرس الإكام أي رمْيًا بالسرعة. 

دئِب: لا ينقطع

الشيَم: الخصال الحميدة

جَسرٌ: عظيم البنية

زئير: مبالغة من الفاعل زائر من زأَر، كناية استعارة تصوير بالأسد في الوحشية والشدة


الشطر الأخير: يدوس الأراضي الصلبة والمرتفعة بشدة وضراوة؛ أي لا تعرقله العراقيل

بادن: ضخم الجثة، السند: المرتفع الهيكل

يطوي طروف البيد: أي يقطع الصحاري حتى حدودها في الظلام

عُلِّقت: تعلقت بها

الشجم: الهلاك

جمم: تخفيف لـ جَمٍّ أي كثير

شبَم: برود

عرِم: السيل الجارف

قلى الكرى: أي فارق النوم

اختضلت اللِّمة: تبللت بالدموع، واللِّمة هي جانب الشعر مما تدلى نحو الوجه وحذو الأذن

الشعِث: الأشعث

الجعشم: الأسد، الذي لا تخور همته

الفتيان: الليل والنهار

طمَّ: المراد برز وبان من الكثرة، ويُقال: طمَّ البحر أي كَثُر ماؤه فارتفع، والأشاجع: الأعصاب والعروق، والبيت تصوير لشدة ما تعانيه المهجة فكأنها الذراع الكادحة التي كثرت عروقها فبرزت من ثقل ما تجد من الهم

رغمًا: دون إرادة منها

الغُمم: جمع غُمَّة

أقوى: كأنه الدار وقد خَوَت، ولكنه خوى من التعابير والشعور فصار مثل الذي لا يبين

والطمطم والطُمَاطِم هو الذي لا يكاد يبين قولا فهو أعجمي

ما أجزل: ما أجمل

العدواء: القطيعة والهجر

يطم: من أطم أطْمًا وأطومًا أي سكت على ما في نفسه وكتمه