أنا الشاعرَ أدري دراية حق ويقين أن الشعر سواده الغالب أصداف وأوهام، وقد تتأثر بصورة في خيالك فتنظم فيها معلقة، أو تنشد القصائد الطِوال عما أخطرتك نفسك في الشوق والهيام الذي تمنى ولا تلقى، وترجو ولا تنال؛ فيحسب السامع أو المتلقي أنك تعيش ذاك، وإنما أنت فاقده، وقد كتب امرؤ قيس عن الحبيبة وقتما كان هائما في الفيفاء عن مُلكه ولا حبيبة، وكذلك ابتدأ العرب قصائدهم بسيرة الحب والغزل؛ لِما جرت عليه العادات وألِفته الآذان، ولم يكن ذاك واقعا بالضرورة، حتى إن عنترةَ قد عُرف عنه انخراطه وسْط أربعين دون عبلة- فيما ورد عنه في الأثر.

وقد تكتب الرثاء في من تخشى غروبه وارتحاله وهو عندك لمَّا، وقد تدري ما كانت العرب قديمًا تُشعر فيه من مُلاحاة وعداوة وتوَعّد ووعيد لا يقع، وفخر وتيه مغالى فيهما، وذم وتقريظ بغير وجه حق، ولقد كانت القبائل تتبع شعراءها في المخاصمة، وتقوم المعامع دون الثأر لشرف واحدهم؛ أن تُنشد قصيدة تستنفرهم وتستحثهم النزالَ، وذلك قوله تعالى: (والشعراء يتبعهم الغاوون)، حتى إن عمرًا التَغلِبيَّ كانت معلقته يحفظها الصبيان والفتيان، وتُلَقَّنُ لهم أربعين، وتُنْشدُ في صفوف الحرب لتُشعِل حماسة العسكر، وتستفززَ حميَّتهم، فلا تخور العزائم، ولا تنطفئُ نار الوقيعة أبدا، ولا تخمد شدة المَوقِعة.

والشاعر يقتبس من كل بستان، ويقطع كل الوديان؛ بفضل تصوراته التي تطَّوف به كطيْف الشياطين، فتمس عقله مس الجان ويشطح بما يظنه ويتخيله، مثل الصبي الحالم الواعد، وذلك قول شوقي:

 اِختِلافُ النَهارِ وَاللَيلِ يُنسي ـــ اُذكُرا لِيَ الصِبا وَأَيّامَ أُنسي 

وَصِفا لي مُلاوَةً مِن شَبابٍ ـــ صُوِّرَت مِن تَصَوُّراتٍ وَمَسِّ

وقد نظمت في الخمر- تأثرًا- وما ذقتها، ونظمت في الحب- تمنيًا- وما جربته، ونظمت في الفخر، ولو رأيت رأيتني من التواضع بمكان، ونظمت في العزة والأنفة وأنا لا أنتسب، ونظمت في وادي النِزال ولم أخضْه، وذلك قوله عز مِن قائل: (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وأنهم يقولون ما لا يفعلون) وقد ذهب البعض إلى أن شعراء الجاهلية كانوا يهيمون هَيَمَانًا حقيقيا في الوديان المهجورة يلتمسون من الجن وحيًا، وذاك أبعد عن الآية ولو صح؛ فقد نزلت في الخوض في الباطل واجتناب الحق، وإن الشاعر ما دام يقول الحق فإنه في مُسْتَثْنَاهُ تعالى إذ يُعَقِّب: (إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظُلِموا)، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مر بواد فإذا بشاعر يهيم فيه منشدا فقال لصحابته: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا) أي يمتلئ بالباطل من الشعر الذي هو لغو لا يفيد، وكذب لا يصدق، ثم لا يكون معه ذكر الله ولا علم نافع ولا خلق كريم... إلخ.

وقد ورد عند القرطبي أن حسانَ بن ثابتٍ وصحابته هرعوا إلى النبي في عقب نزولها، فقالوا: (يا نبي الله، أنزل الله تعالى هذه ويعلمُ أنَّا شعراء؟!) قال اقرؤا ما بعدها، ثم تلا عليهم حتى قوله (وانتصروا من بعد ما ظلموا) فقال انتصروا بالحق ولا تذكروا الأُمَّات ولا الآباء) وكذلك قول كعبٍ له صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله قد أنزل الله في الشعر ما علمتَ؛ فما تقول فيه؟- أي ما مغزاه- فأجابه: إن المؤمن يجاهد بنفسه وبسيفه وبلسانه، والذي نفسي بيده إن ما ترمونهم به لأشد من النِبال) وأما الهجاء في الشعر الإسلامي فمكروه؛ لقوله: (من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه).

أما المغالاة فهي في الشعر ضرورة؛ لأن الخيال لا يُحيَّد طرائقَه، والشعر من الشعور، والعاطفة آخذه أخَّاذه، وهي من الغُلُوِّ بمكان، والتعبير عن الشعور هو تعبير انفعالي، والانفعال هو التأثر بالمُسْتَقْبَلِ الخارجي، والتفاعل معه ومجاراته، فهذا منبع الشعر دون النثر؛ لأن الشعر لا ينبع من الفِكَر كما يخطط الناثرُ رقيمَه، بل إن النَظْمَ نتاجٌ انفعالي تفاعلي، وهو ثمرةٌ لِأَخْذَة، وقد تهدأ، وقد تجد الشاعرَ لا ينظُم إلا حزينًا، وهو يعيش الفرح بعض حين؛ فتعلم أن الغالب على طبعه هو الحزن، فهو يتأثر به، ويلامس كوامنه، ويكاتمه، حتى إذا اشتد به اتَّقَد، وإذا استوت جِمارُه ثار وانفجر، ولقد نظمتُ أكثر نظمي في الشوق والوَلَع، وهذا السمت الغالب عليَّ، ويليه الاكتئاب والضجر وقد أكثرت مخالطتهما، ثم التمني والرجاء، والندامة والأسف، وقد صدقت في ذلك كله، ثم تخيَّلتُ صُوَرَ الحب، والخمر، والحرب، والفخر، والانتساب، حتى اشتد بي الوصف فذيَّلتُ وأَطَلْتُ، وأَسْدَلتُ ذلك أطولَ قصائدي التي رقمت، كـ اللاميَّة، والمعلَقة، والمؤنِسة، والمؤسَفة...إلخ، مقارباتٍ التسعينن بيتًا، أو مجاوزاتٍ الخمسين، أو الأربعين، أو الثلاثين.