بين الأدب والعلوم الإنسانية

إن كافة العلوم الإنسانية ترصد وتحاول أن تسجل تجربة الإنسان عن نفسه وعن مجتمعه وعن الأرض التي يعيش عليها وعن مآله الذي يصير إليه وعن أحداثه وأيامه.

وليس الأدب إلا حكاية لهذه العلوم وتلك التجارب ولكن بطريقة فنية ساحرة يحكي فيها الإنسان عن تجربته مخلوطة بمشاعره وعاطفته

إن الأدب يشترك مع الفكر والفلسفة فكلٌ منهما نابعٌ من تجربة الإنسان وتأمله للكون ولمشاعره ومجتمعه؛ وأدوات الشاعر هي بعينها أدوات الفيلسوف أو المفكر فكلاهما يعتمد التأمل والاستغراق، وكلاهما يستخدم نفس الأداة وهي اللغة بمصطلحات العميقة، وكلاهما يبغي التأثير في المجتمع وتحسين أفكاره وسلوكه، وكلاهما يتأثر بما ينتج من إبداع وتأمل.

ويشترك الأدب مع علم الاجتماع بل إن الأدب ظاهرة اجتماعية في حقيقة الأمر إذ لا ينشئ الأدب إلا في ظل المجتمع وهو خطاب من الأديب للمجتمع ليتفاعل معه كما أنه يناقش في الأساس المظاهر الاجتماعية الناتجة من العلاقات بين أفراد المجتمع مثل الحب والوفاء والأخلاق بشكل عام والترابط، ويسطر حال المجتمع وحكاياته عبر الروايات ويرسم صورة غناء عنه في شعره.

كما يمثل الأدب جزءا ركينًا من علم النفس؛ إذ أنه ينبع من اللاوعي الذي يحفظ الكثير من الأمور والمسئول عن الإبداع لدى الإنسان؛ والتجربة الأدبية بأنماطها المتعدد هي تعبير عن النفس أو تهدف للتأثير فيها، وما نجده من لذة وحالة وجدٍ وطربٍ بالشعر ما هو إلا حالة نفسيًا راقية يعيشها الإنسان مع كل تجربة أدبية.

أما عن الأدب والتاريخ فإن تاريخ الأمم محفوظٌ مسطورٌ في الأدب فقد كان الشعر ديوان العرب وحاكي قصصهم وسيرهم وغزواتهم بل وأنسابهم، كما فعل الغرب والحضارات القديمة من خلال الملاحم الشعرية التي تخلد ذكر أبطالهم ومعاركهم وحياتهم اليومية، فالأدب وعاء التاريخ وصورته الفنية في أرقى صورها.

إن الأدب يمتزج مع كافة العلوم الإنسانية حيث أنه الصورة الفنية لحكاية تجربة الإنسان الفكرية والعاطفية.