حين تقرأ سير العظماء الذين كان لهم أثر في بناء الأجيال يحثك ذلك على أن تضع بصمتك في هذه الحياة لتقفوا آثارهم، وحين تطالع مواقفهم تختلج في نفسك مشاعر الحب والوفاء تحرك فيك ما بقي من جذوة الإصرار والعزم والإرادة والحزم، وإن مما يحز في النفس أن نجد في زماننا من يحاول طمس معالم هؤلاء الأبطال بمحاولة تشويه صورتهم والتشكيك في جهودهم وما قدموه في سبيل نهضة أمتهم، وإثارة الشبهات التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ساعين بذلك قضاء حاجة في أنفسهم مخدوعين أو مخادعين، ولقد أتى على الناس زمان حق أن يحيى فيه ذكر هؤلاء الأعلام، لتوقظ الهمم وتحرك العزائم ويقتفى الأثر.

    حديثنا اليوم عن إمام حافظ أنجبته بلاد خراسان معقل من معاقل العلم آنذاك، ظهرت نجابته منذ صغره فنبغ وفاق الأقران وتصدر للعلم والتأليف ولم يكمل العشرين من عمره، فإن تسل عن الحفظ فبحر لا تكدره الدلاء، وإن أردت الفهم ففقيه غواص في المعاني خبير بمشكلاتها، عليم بمدلولاتها، وإن ترد الحديث والتفسير فعنوان مفاخر المسلمين، ومدرسة خرجت أجيالا وأمما، وبنت معالم وقمما، لا تفتأ تستقي من مواقف حياته دروسا في الزهد والورع والتحري والإنصاف.

    حفظ الله به الدين فهيأه لحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهمه وتبليغه، وكأنه كان على موعد مع أمانة عرضت على كثير من الناس فاستثقلوا حملها وأبوه فخاض غمارها بحق ولم يبدل أو يغير حتى أداها على أحسن وجه وأكمله.

نذر حياته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتنى به عناية لم يسبق إليها، فرفع الله ذكره في العالمين، وسرى حبه في كل قلوب المسلمين، ولا تكاد تجد الآن منزلا ليس فيه صحيح البخاري أو كتابا يخلو من حديث رواه البخاري.

الجامع الصحيح الذي مكثَ فِي تأليفِه ستَّ عشرَة سَنة، وخَرّجَهُ مِن بينِ ستمائة ألفِ حدِيث، وكانَ يَقُول: جَعلتُهُ حُجَّةً بَيني وبينَ الله عزَّ وجَل.

الجامع الصحيح الذي قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: "لو رحل الرجل من مسيرة سنة لسماعه لما فرط".

فلله در من جعله نبراسا في الطريق، وما أكثر غبن من فرط فيه وهو في متناوله وبين يديه!

    والبخاري رحمه الله إمام في علل الأحاديث خبير بصنعتها يميز بين صحيحها وضعيفها كما يميز الصيرفي بين رديء الدراهم وجيدها.

وحسبك سبر جامعه وتاريخه الكبير لتعلم السر وكم خبايا في الزوايا!

قال وراقه محمد بن أبي حاتم: سمعته يقول: دخلت بلخ، فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه حديثا، فأمليت ألف حديث لألف رجل ممن كتبت عنهم.

وقال مرة: ما عندي حديث إلا أذكر إسناده.

وكان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبوا مغالطته، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد اليمن في إسناد الحرمين، فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن.

فاعجب لفطنته، وشدة حفظه وضبطه وإتقانه، فلكل حديث إسناد وما أكثر الأسانيد المتشابهة! ومن طالع الكتب الحديثية المسندة علم أن الله خلق للأسانيد رجالا ورجالا لقصعة وثريد!

    لقد استعصت زعزعة هذا الطود الأشم على أعدائه، وما تركوا سبيلا ينفذون منه لثلبه وذكر معايبه إلا وسلكوه، لكنه رغم الكيد الكبار ومكر الليل والنهار؛ ظل شامخا عزيزا وصار أعداؤه إلى ما صاروا إليه من اللعنة والبوار.

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

               فهي الشهادة لي بأني كامل

    حدث محمد بن يوسف البخاري، قال: كنت مع محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة، فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة.

وإنك لن ترى أحدا من أدعياء العلم المتطفلين على النقد أتباع على ناعق يقدر على هذه الحال، ويصبر على لأوائها، كلا! فالقومُ في السرِّ غير القومِ في العَلَن.