طالما تاقت نفسي إلى تسطير كلمات حب ووفاء عن عظيم من عظماء هذه الأمة وأسد من أسودها الرابضة الذائدة عن حياض الدين، الباذلة أراوحها ومهجها في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض، ونشر العدل والرحمة بين الناس، وها قد حانت لحظة الوفاء!

من يمن الحكمة والإيمان خرج التابعي عبد الرحمان بن عبد الله مؤمنا بالله، بعد أن انتشر الإسلام في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها، يبحث عن سبيل ينصر فيه دين الله تعالى، مستدركا به ما فاته من شرف رؤية رسول الله وصحبته والجهاد معه، أخذ عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ما شاء الله أن يأخذ، وتزود من معين علمه ثم انطلق نحو مصر فإفريقية ثم المغرب الأقصى، حتى عبر إلى الأندلس مجاهدا مع من عبر سائرا على خطى طارق بن زياد وموسى بن نصير.

في إحدى المعارك التي قادها والي الأندلس آنذاك السمح بن مالك الخولاني، ظهرت عبقرية عبد الرحمان الغافقي فرأى فيه الناس ذاك القائد الفذ الذي استطاع بحنكته إنقاذ جيش المسلمين من هزيمة محققة، فعين أميرا على بلاد الأندلس، بادر الغافقي في بدء إمرته إلى إعادة ترتيب الأمور فوفر للمسلمين ما يحتاجونه مما يقيمون به أمور دينهم ودنياهم، ثم نظر في أمر عماله وجنوده فأصلح ما يحتاج إلى إصلاح وترميم، وكان لا يحض على شيء إلا كان أول المبادرين إليه، مستشيرا مع أهل الخبرة مستنصحا لهم. بنى على نهر قرطبة قنطرة عظيمة ما زالت إلى اليوم آثارها شاهدة على عظم الحضارة التي شيدت على تلك الأرض، سمت همته فعزم على نشر دين الله في أقصى بلاد الأندلس واشتاقت نفسه إلى التوغل أكثر عسى أن يتحقق وعد فتح القسطنطينية على يديه من جهة المغرب، وإن نفسا تواقة لهذا المجد الأثيل والعز الرفيع لحري بالمسلمين أن يعتزوا بصاحبها، وهذا من أكثر الأشياء التي أعجبتني في شخصيته، وجعلتني أحبها أكثر.

انطلق بجنوده بائعا نفسه لله، عازما على الرجوع بنصر تعلو فيه راية الإسلام خفاقة أو الموت دون مبتغاه، يجمعه مع جنوده إيمان راسخ وثقة عالية بنصر الله تعالى وإن تعددت أجناس الجند واختلفت ألوانهم وتباعدت أصولهم.

كان الغافقي على موعد مع الشهادة، أحب أن يرى كلمة الله عالية في كل شبر من الأرض، همه في كل ذلك إخراج الناس من ظلمات الجهل والظلم إلى سعادة الدارين، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

وحيث مدينة "بواتييه" في فرنسا التقت جيوش الغافقي المؤمنة الصابرة عام 114 هـ بجيوش أوربا الجرارة بقيادة "شارل مارتل" فكانت موقعة عظيمة ويوما مهيبا من أيام الله، استبسل فيه المسلمون بإقدام عز نظيره، وكاد النصر أن يكون حليفهم لولا انشغال نفوس بعض منهم بالغنائم، فاستشهد خيار الجند وعلى رأسهم القائد عبد الرحمان الغافقي، واستحال الأمل إلى ألم، وتقهقرت جيوش المسلمين بعدها واضطربت، فكانت تلك اللحظة بداية انفراط عقد المسلمين في الأندلس.

ما زالت موقعة "بلاط الشهداء" خالدة في التاريخ تشهد لحقبة عِزٍ عاشها المسلمون، وتحكي عن بطل مغوار على قِصر فترة ولايته أسهم في الرقي ببلاد الأندلس ورأب صفوف المسلمين فيها التي أوشكت أن تتصدع بسبب بعض العصبية هنا وهناك، حتى جعل من أهلها أبطالا في مركز الصدارة وأماجد في مقدمة الأمم يصنعون الانتصارات متى شاؤوا وكيفما أرادوا بتوفيق من الله ونصر.

في "بلاط الشهداء" رقدت تلك الأرواح الطاهرة التي استجابت لنداء ربها، وبذلت الغالي والنفيس لنشر رسالة الإسلام السمحة وقيمه النبيلة ومبادئه العظيمة.

وإن من دواعي اختياري لسيرته، ظهوره في محطة فاصلة من محطات تاريخ الأندلس كان المسلمون فيها أحوج إلى قائد يجمع شملهم ويستكمل بهم مسيرة الفتوحات الإسلامية، وأيضا اعتراف الصديق والعدو بشهامته وصلاحه حتى تمنى كتاب أوربيون في عصرنا أن لو تم هذا الفتح الذي كان سيخرج أوربا من أوحال الظلم والتعصب الديني المذهبي، وقال قائلهم:

" لولا انتصار جيش شارل مارتل الهمجي على العرب المسلمين في فرنسا لما وقعت بلادنا في ظلمات القرون الوسطى... ولما أصيبت بفظائعها.. لولا ذلك الانتصار الوحشي على المسلمين في "بواتييه" لظلت إسبانيا تنعم بسماحة الإسلام، ولنجت من وصمة محاكم التفتيش.. ولما تأخر سير المدنية ثمانية قرون، ومهما اختلفت المشاعر والآراء حول انتصارنا ذاك، فنحن مدينون للمسلمين بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة ".
كتبه: عبد الله العفاقي الفلاح الأنجري 
بتاريخ: 3 رجب 1440 هـ