الحياة في المدنية فعلٌ يغلُب عليه الرتابة والسأم، حتَّى أن أجزاء الكون ذاتها ملَّت التكرار مذ ارتفعت البنايات وسارت السيارات وتناطحت رؤوس البشر نحو القمر وما أبعد، فالأمر كذلك، الحياة العادية ليست مشوِّقة، بل تخلو من التشويق. وهنا تأتي المُفارقة، إذا كانت الحياة مملة، فلماذا نسردها في القصص والروايات بصبغة تفضي عليها بعضًا من التشويق والأثارة..؟
إذا كان الرواية تسرد "الحياة"، هل يعني ذلك أنَّ اغلب الروايات "المملة" على حد وصف القرَّاء تسرد الحياة كما هي، باردة، بلا بُهارات، بلا فَواتح للشهيَّة، بلا نِقاشَة لغويَّة مُتكلفة..؟
أم أننا ككتاب نقتص الجزء المشوَّق ونعلِّبه في أوراق ونحن نقول للأخرين في ذواتنا: "أنظروا هُنا، الحياة ما زالت مليئة بالرعب والأثارة والترحال، أنتم فقط تعيشون في أماكن مملة".
الحقيقة أن حمل اجابة واحد لسؤال واحد أمرٌ فاسد. ولكنني أن أقول أن تفاصيل الحياة ليست مملة، بل منَّا من ينتقص منها فيراها كذلك، فينعكس ذلك على الذوق العام للقارئ، فلا تجده يتذوق نصًا بديعًا عن وقت طلق أم لطفلها، أو قضم أحدَّهم لحبة كاكا يانعة، أو وصف قطعة لبان مرمية على الأرض مصكوك بها ثقوب أو شبه ثقوب، وصف تفاصيل التفاصيل، كتجشؤ أحدَّهم، كبكائه من هول الفقد، كسقوط ورقة في ظلمات الأرض. الأشياء الذي أجدها في غاية التشويق.
إذن، فالذي يجعلنا نهرع للرعب والأثارة، هو عقدة نقص متأصلة في مضمون ضمائرنا منذ انغماسنا الكامل في المدنية والمكوث في بقعة واحدة، والتخلي عن الترحال، وتقلص حدود الحروب والدماء في أماكن محددة، الشي الذي يحعلنا متعطشون أيضًا لحرب عالمية ثالثة، نحن كبشر نميل للدماء والتحديات، فأبسط الايمان أن نبحث عنها في تلابيب القصص والروايات.