تضاد

لا تقترب ... لا تقترب أرجوك ... استدر ... استدر وأجعلني في المقدمة ... لا تستمع إليه, إنه سيهلكك حتماً إذا اتبعته, لما لا تتبعني أنا, أنا الذي سوف أنجيك من المهالك, لماذا تُصغ إليه وتقيّدني, وتعصب عيناي وتكمم فمي وتُصِمّ أذناي !!؟؟؟

اقترب ... اقترب أكثر ولا تبالِ ... هيّا أنا أقودك للصواب, لا تلتفت إليه ولا تنصت له كثيراً, لا يأتي من ورائه غير الهمّ والتّعب والشّقاء. اتبعني أنا, سلّم إلي وسوف أجعلك في مكانة أخرى ومختلفة؛ فاطلق سراحي, واجعل بصري بصيرتك, تكلّم كما أُملي عليك من كلمات وضّاءة, واجعلني سمعك كي أرشدك.

- هل أمهلتني 24 ساعة كي أفكر في الأمر سيدي؟

- لك فقط 24 ساعة, إذا تأخرت فاعلم أن (نجيب) سيتولى أمرك وأمر قسمك فيما بعد.

- حسناً سيدي لن أتأخر في الرد.

- بالتّوفيق سيد (مدير قسم حسابات الشركة) القادم إذا رغبت في هذا اللقب

أومأ (ابراهيم) برأسه أي فهمت, ثم خرج يفكر في الأمر، لا ترى عينيه سوى الأرض ناظراً إليها, تموجت أفكاره كموج البحر, أخذ عقله يُحدّث نفسه

- الأمر يبدو بسيطاً ولكني أستصعبه, سيتبدل حالي, وسيرتفع شأني, وستكون كلمتي هي العليا, ولن يكون لي نِدٌ في الشركة سوى رئيس مجلس الإدارة, هنا ستتساوى الرؤوس, ولكني لا أستطيع, مبادئي وما تربيت عليه غير ذلك

إستفاق من غفلته وقَطع حبل أفكاره جرس الهاتف, فأخذ ينظر إلى اسم المتصل فوجدها (ريما) فزفر من فمه زفير الملل، لا يعرف أيترك الجرس إلى أن ينتهي ولا يهتم لاتصالها أم يرد, انتبه لسائق الأجرة الذي يبعد عنه بمسافة تقدّر بنحو الخمسمائة متراً قادمة, فرفع يده مشيراً إليها ليستوقفها فهوى على الأرض فاقداً وعيه.

إلتفت المارّة حوله في محاولات استكشاف الأمر وتقديم يد المساعدة, منهم من انتبه سريعاً فأخرج هاتفه الذكي ليقدم بلاغ استغاثة عبر التطبيق الجديد الخاص بالإسعاف, ومنهم من استخدم جريدته اليومية أداةً لاستنشاق الهواء, وآخر تحدث بمكالمة تليفونية لإسعافه, حتى وقفت سيارةٌ عرضَ صاحبها المساعدة ونقله إلى أقرب مشفى, فكانت تلك أسرع وسيلة لإنقاذه

- لماذا تُرهقه ودائماً تُسقطه في الضرر؟

- وما شأنك أنت؟

- شأني مصلحته

- إذن تحمل فأنا شأني لشأني فقط, لا أهتم بكم, أهتم بما يسعدني ويضِف إلى بهجتي وسعادتي الكثير

- وهل أنت سعيد الآن؟

- بعض الشيء, لم تكتمل سعادتي بعد

- انهض, انهض واستدر فأنا وقت السكينة أقوى منك, تُشوّش عليه بضوضائك المستمر حتى تّضعفنا, انهض واستدر برفق وإلا استخدمت قوتي وأجبرتك على ذلك رغماً عنك واجعلني عند مقدمة رأسه

- حسناً, لن أستعمل قوتي الآن لأني أُنهكت, سأنهض بهدوء وأستدر وسأجعلك عند مقدمة رأسه ولكني أريد أن أخبرك بشيء

- ما هو؟

- لن تنجح

فركله ركلة قوية جعلته ينهض ويستدر على الفور

- لمَ تستخدم العنف الآن؟ قلتُ لك أني منهك وسأنهض, أتستضعفني؟ ألم تشفق عليّ مثلما تشفق عليه؟

- لا، وأخرس لا أريد سماع همهماتك اللعينة, قفّ ثابتاً, مؤخرة رأسك بمؤخرة رأسي, استقم واجعل ظهرك مستقيماً, نعم هكذا فأنا الآن أمام مقدمة الرأس, سأجلس بهدوء ولا تجبرني أن أقضي عليك في وقت قوتي

ساعتان وجسد (ابراهيم) ملقى على فراش أبيض في غرفة العناية المركّزة, تحاوطه أجهزة طبية تُظهر على شاشاتها علامات وأرقام يتابعها شخص من فريق التمريض, أنبوب أكسجين طويل, ورائحة المعقمات تنتشر في جميع أرجاء المكان, جسده الهزيل مستسلم تماماً, صدره يعلو ويهبط بهدوء تام, عيناه الجاحظتان مغلقتان, ورأسه تتحرك يميناً تارة تستقر لبعض الوقت ثم تعود يساراً تارة

- نعم هي بسيطة, مجرد فاتورة, ربعمائة ألفٍ ستصبح ربعمائة مليونٍ, أحضر لك الشريك فاتورة مماثلة, مكتوبة مفصلة, لا عليك سوى استبدالها فقط, ولكن إن فعلت ذلك, ستظلُم أناساً أبرياء, لن يسامحوك أبداً, ستطيح بزميلك الذي أخطأ في كتابة القيد, (نجيب) حتى إن لم تستلطفه وتشعر بغيرته منه, هذا ظلم بيّن, ستطيح بمديرك كي تجلس على كرسيّه, لن يسعك مقعده وأنت ظالم, ستنحل الشراكة, وستُرفع قضية على الشريك الآخر الذي يرأس مجلس الإدارة وتطعنه في ذمته وأمانته وشرفه, استفيق وارفض وأخبر زملائك كي تستند عليهم بالحق, واركل الباطل ولا تنصت إليه.

أدلفَت والدة (ابراهيم) إلى غرفة العناية المركزة هي وزوجته وابنه البالغ من العمر ستة عشر عاماً بعد إلحاح كبير على الدكتور المسؤول عن حالته, بعد بكاء ونحيب إثر وقوع خبر انتقاله إلى المشفى والوعود بالتزام الهدوء داخل العناية المركزة كي يطمئنوا على (ابراهيم) لم يتمالكوا أعصابهم عند رؤيتهم (ابراهيم) ملقى أمامهم لا قوة له ولا حيلة مما حدث من بضع ساعات سوى أن تحركت رأسه جهة اليسار متألماً بآهات الجرح النفسي الرهيب

- ماذا تفعل يا أحمق؟

حان وقتي يا أبله, قد نفذ وقت السكينة وحان وقت الصّخب, وقد مللت واسترحت ورددت لك الركلة بنفس القوة وبنفس الطريقة واستعدت قوتي, هيا انهض واستدر مستقيم الظهر, مؤخرة رأسك في خط متوازي مع مؤخرة رأسي, نعم هكذا أيها المغفل حتى أجلس.

- هل ذرفت عينيك دمعاً بعد ما قاله ذلك الذي تدعوه (بالصالح) وتأثرت؟ إذن اتبعه هيا ولكن لن أسمح لك بالشكوى من الفقر مرة أخرى, سأطرحك أرضاً كما فعلتُ بك من ساعات قليلة, كدت أن تستجب له فلم يكن لدي حل آخر, والآن تستمع إليه مرة أخرى؟ أجننت؟ ستصبح المدير المالي للشركة وعائدك الشهري سيتجاوز الخمس آلاف بدون مكافآت وحوافز الذي سيقررها مستقبلاً رجلاً جعلته رئيساً لمجلس إدارة الشركة, ألا تقدّر ما سوف تفعله له؟ ألا فكرت في عطاياه؟ ألا تحب قيادة السيارات الفارهة؟ ابنك الواقف أمامك الآن سيتغير حاله التعليمي والنفسي، لم تعد تحسب حسابات دخلك كي توفر لزوجتك ما حرمتها منه طوال سنوات الوفاء, حقاً أتعجب منك

هيا ... هيا من هنا ... لم توفوا بالوعود ... لم تخافون على مريضكم ... أنتم تضرونه أكثر ... فلترضوا أنانيتكم خلف هذة النافذة الزجاجية ولا تزعجوه مرة أخرى.

قالها الطبيب الخاص بحالة (ابراهيم) بعد علوّ صوتهم داخل غرفة العناية المركزة بسبب انهيارهم لرؤية (ابراهيم) في هذا الوهن الذي تملّك منه.

عندها تكلم ابراهيم بصوت منخفض راجياً من طاقم التمريض أن يذق طعم الماء, فاستجاب له الطبيب وأمر الممرض بإحضار كوب من الماء وذهب يطبق بأصبعيه على رسغه كي يلاحظ نبضه ناظراً لأحد الأجهزة الطبية ليعلم عن تطور حالته وهو يسأله

- هل تتذكر شيئاً

- نعم؛ أنا بخير

- حقاً أنت بخير, هل تعلم أين نحن؟

- في المشفى, ولكني لا أتذكر كيف جئت إلى هنا, ولكني أتذكر أين كنتُ قبل ذلك

- هل تحدثت بهدوء أكثر

شعور بالألم يتصارع بداخل رأسه حتى طلب (ابراهيم) مسكّن كي يزيل آلام الصداع من رأسه المشوّش من أثر كثرة التفكير, فاستجاب له الطبيب بعد أن إطمأن على حالته البدنية بعدما توقع سبب الإغماء.

- هذا وقتي لمَ كبلتني من الخلف؟

- من قال أن لي وقت محدد؟ أنا صاحب الصراط المستقيم أيها (الطالح) الشرير, أنا سيفي لم يُهزم قط وإن ضعفت أعود أقوى مما كنت, أنا الخير، أنا الصالح، أنا درب المنفعة

- دع لي فقط مقدمة رأسه ولن أتحرك كثيراً

- بل في الخلف إلى الأبد, مقيد اليدين معصوب العينين مكمم الفم لا تنطق ولا تتحرك, فالآن حان عملي ولن أكلّ أبداً حتى ينتهي الأمر

بعد أن تناول قرص المسكن وشرب الماء, فرك بكفيه عيناه ثم نظر إلى الطبيب قائلاً

- هل لي بمكالمة تليفونية

- لك ما شئت ولكني أود أن أتأكد من شيء

- ما هو؟

- اسرد عليّ ما تتذكره قبل مجيئك إلى هنا

- لقد كنت في مطعم أتناول غداء عمل مع شريك من شركاء الشركة أتلقى عرضاً مغرياً, لكني لن أقبله وأريد أن أهاتف رئيس مجلس إدارة الشركة بخصوص هذا العرض

- إذن ما جاء بك إلى هنا فقط هو الضغط العصبي والنفسي

- أعتقد ذلك, كنت أصارع أفكاراً شيطانية بداخل عقلي ولكني لن أفعل إلا الصواب


تمت


لمتابعتي علي صفحة فيس بوك  : كتاباتي - إسلام المصري