تحدثنا الأستاذة _الحاصلة على درجة الدكتوراة فى مجال ما يخص الحشرات_ عن عالم آخر، عالم مثالي، عالم فى بلد حرة وشعب فاخر، تقول :"أتعرفون أنهم هناك لا يأكلون فاكهة مشوهة الشكل، لا يوجد ثمرة ملتصقة بأخرى، لا ثمار ملتوية، كل شىء فى عمليات الزراعة يتم بنظام مثالي متقن".

حسناً.. حاولت تخيل الحياة على نظام معين، ذات روتين ممل، ولم استطع، فكرة أن هناك أحدهم يعيش كترس من تروس آلة عملاقة مثالية تعمل بلا كلل أو عشوائية تصيبنى بالأرق، نحن ملوك اللحظة الأخيرة.. لولا وجودها لما أتممنا عملنا أبداً، نتنفس العشوائية بدلاً من الأكسجين. 

تكمل:" هناك.. فى تلك البلدان المثالية، كل شىء بحساب، النفس يُحسب على الشخص، السرعة فالسرعة فالسرعة، كل شىء يسير بسرعة، كل فرد يعرف مكانه وما عليه فعله، كل فرد يكد فى العمل حتى تنقطع أنفاسه، كل الأفراد مثالية، كل المنظومات مثالية، كل شىء مثالي".

بينما تتكلم عن عالم مثالي، أفكر فى تلك المشكلة التى واجهتنى فى الكلية بخصوص مادة ما، ذهبت للجميع.. الجميع بلا إستثناء، العميد والوكيلة ومن يهتم بشئون الطلاب، لمن يدرّس المادة ومن لا يفعل، لقد ذهبت للسيدة التى تقوم بعمل الشاى وأفراد الأمن على البوابة، للطلبة الذين أنهوا المادة ومن لم يسمعوا عنها، وكانت الإجابة واحدة، "لا أعرف"، سأخرج أمى من مرقدها لعلها تعرف!

يا لها من عشوائية محببة للقلب!.

فى الإبتدائية كانت مدرستي فى الثلاث صفوف الأولى "ميس إحسان" سيدة لا ترضى إلا بالمثالية فى كل شىء، الزي المدرسي نظيف ومكوي بعناية، الحذاء أسود لامع، الجورب أبيض ناصع، كشكول منظم، وقلم رصاص مبري، أدوات كاملة، وكلام مرتب، وابتسامة ارستقراطية، وطريقة تناول طعام كالملوك، جلسة تليق بالفتيات، وصوت منخفض مع لهجة محترمة، لا نقول إلا "نعم وحاضر"، لا أتحدث مع أحد أكبر مني إلا وأنا واقفة ولا أقول إلا "حضرتك"، إذا أخطأت فى الإملاء فى حرف واحد فسوف يكون عقابي _أنا ابنة السنوات الثمانية_ قاسياً، كرهتها أكثر من الكوسة وخشيتها أكثر من العدس، ثلاث سنوات وأنا أعاني من تعنتها، ثلاث سنوات وأنا أمني نفسى أننى سرعان ما سوف أصير فى الصف الرابع الأبتدائي وتنتهي سلطتها عليّ. ولم تنتهى سلطتها أبداً. 

والآن وقد تبقى لي أقل القليل فى رحلتي التعليمية أجدني ممتنة لها كثيراً، ممتنة لقواعدها المملة وتعنتها المستمر وتحكمها السادي، ممتنة لكل مرة أخبرني معلم لي بأنني فتاة مهذبة جداً على الرغم من أنني لست كذلك إلا أمامهم، ممتنة لكل مرة تأفف من صوتي المنخفض رغم أن صوتي فى علوه يضاهي مائة مكبر صوت، ممتنة لكل مرة أشاد أحدهم بهدوئي وسكوني رغم أنني أضاهى العفاريت فى صخبها، ممتنة لها لأنها جعلتني أكره الغياب عن المدرسة رغم أنني لم أكره سوى المدرسة. 

ممتنة لها لالتزامي بالقواعد للآن رغم أن متعتي الحقيقية تكمن فى كسرها، ممتنة لجلوسي الآن فى المحاضرة اكتب هذه المقالة و"الدكتورة" تشرح، وزميلتي بجواري تسألني عن كلمة ما فقدتها وهى تكتب؛ لأنها تظن _بسذاجة الأطفال_ أننى اعير انتباه لما يُقال؛ لأن شكلي يوحي بطالبة مثالية.

قد تكون علمتنى النفاق لا المثالية، لا أعرف ولا أبالي حقاً.

فإذا كان نفاقاً فأتمنى أن يتعلمه المسئولون هنا، ولو كانت مثالية فلن نجدها إلا فى الجنة.

الخط المستقيم يمكن أن يتحول إلى منحنى، والمنحنى يمكن أن يتحول إلى خط مستقيم، وذيل الكلب لن يعتدل.

أجدنى فى المنتصف..المنتصف اللعين، أحب التمرد والتزم بالقواعد، ادعي العشوائية وأميل لأكون مثالية. 

.