هناك سبب لكون اللغة اللاتينية لغة ميتة، أليس كذلك؟، لا أحد يمارس هواية معرفتها سوى عبدة الشيطان ونحن _طلبة الزراعة والكليات العلمية المجاورة_.

كان هناك فصل دراسي حيث درست ذلك المقرر المعقد جداً "الحشائش ومقاومتها"، وهو مقرر يجمع بين قسمين.. قسم "إنتاج نباتي" وفيه جزء الحشائش حيث نتعرف على كل الآفات النباتية التي قد تضعنا أضرارها فى مجاعة وقسم "وقاية النبات" _قسمي_، حيث ندرس كيفية التخلص من هذه الحشائش اللعينة حتى نتلاقى المجاعة القادمة!!.

حسناً.. فى هذا المقرر كان علينا اختيار عمل "بوستر علمي كبير" به صور الحشائش مع أسمائها، أو عمل "معشبة" وهى _لمن لا يعرف_ حشائش حقيقية يتم جمعها من الحقول وتجفيفها ولصقها فى كراس كبير مع أسمائها.

بالطبع أى طالب يحترم نفسه سيختار عمل البوستر، وبالتالي لأنني من الطلبة اللذين يحترمون أنفسهم _وسنهم وصحتهم_ اخترت عمل البوستر، ما هى المشكلة إذن!، المشكلة هى فى الوثوق فى أى شخص لعمل أى شىء ولكن ليس هذا سبب كتابتي للمقال. ما حدث قد حدث، "ما الذى حدث" لا أعرف حقاً ولكنني اُضطررت لعمل المعشبة فى آخر شهر مع التعرف على كل هذه الحشائش وحدي _كان الجميع قد بدأ منذ البداية أثناء زيارات الحقل المتكررة_، مع حفظ كل هذه الأسماء المعقدة لما يقارب 50 نبات بتفاصيلهم ودراسة الست مواد الأخرى فى وقت قصير جداً.

بعد يوم مرهق قضيته فى جمع الحشائش من الحقول والأراضي _حمداً لله أن الكلية تحتوى كل شىء_، عدت لبيتي لأنام كأى شخص طبيعي.

وكانت تلك المرة الثانية التي يأتوني بها... أسمعكم تتساءلون "وماذا عن المرة الأولى"، حسناً، أعدكم أن دورها سيحين يوماً ما.

كانت الحشائش طويلة عالية تكاد تمس السماء، وأنا جوارهم أكاد أُرى، حاولت التحرك من مكاني ولم استطع، كان هناك شيئاً ما يكبل قدماي، كانت والأرض كقطعة واحدة. ثم امتدت يد طويلة خضراء تماماً وبدلاً من أصابع خمس كانت الأوراق تتدلى منها، أمسكت هذه اليد بيّ، حاولت أن اصرخ ولكن بلا جدوى، قربنتي من وجهها، _لا أعرف له مسمى سوى وجه_ 🌚، كانت _صاحبة اليد الخضراء_ تشبه نبات ما لا أستطيع تذكر اسمه، ثم وبصوت قادم من أعمق الكهوف قالت "ما أسمي؟"، فهمت الأمر حينها وعلمت إنني لم أنجو، أثق أننا لو بقينا هنا ألف عام فلن استطيع التفوه باسمها؛ لأنني لا أعرفه ولن اعرفه أبداً.

امتدت يد أخرى لها شكل مختلف عن سابقتها، وتكرر نفس السؤال منها ونفس البلاهة مني، ثم يد ثالثة ورابعة وعاشرة.. حتى فقدت قدرتي على العد، لم ينقذني سوى تنافسهم عليّ وإسقاطي أرضاً، صرت أركض وكأن الجحيم يطاردني، وكأي مُطارد يحترم نفسه تذكرت التحذير الأهم (لا تنظر للخلف أبداً)، وبمجرد تذكره نظرت للخلف، كانت نظرة خاطفة ولكنها مريعة، لا أعرف لما لازلت أحب اللون الأخضر بعد ما رأيته، كان هناك _خلفي_ حشد من الحشائش التى تحولت إلى زومبي، وكلها تريد دماغي المتبلد الذى يأبى الاحتفاظ بأى كلمة لاتينية فيه.

سقطت أرضاً بعد اختلاسي النظر إلى الخلف، أيقنت أنها النهاية، كان دبيب أقدامهم صاخباً وأصوات صراخهم غاضبة، أنهم يقتربون... مع كل هذه الضوضاء برز صوتاً.. من بعيد.. يدوي بخفة وعذوبة.. ثم صار أكثر إلحاحاً وإزعاجاً لكل هؤلاء الزوائش _حشائش +زومبي_،. كان هذا منبهي العزيز المزعج، كان يرن لإيقاظي لجحيم آخر ولكنه حقيقي.