كشفت دراسة أمريكية نُشرت في يوليو 2017 أن محاولة تهذيب سلوك الأطفال من خلال ضربهم وصفعهم على الوجه يمكن أن يؤثر سلبًا على حالتهم المزاجية والسلوكية، ويجعلهم أشخاصًا عدوانيين في مراحل متقدمة من العمر.

وأشارت الدراسة، التي أجراها فريق من الباحثين بجامعة ميسوري الأمريكية، إلى أن "الأثر الذي يتركه الضرب على تعديل سلوكيات الطفل يكون لحظيًّا، ويخلف آثارًا أخرى سلبية في المستقبل، وأن الأطفال الذين يعاقَبون بشدة يكونون أكثر عدوانية لدى بلوغهم سن 10 إلى 11 عامًا، كما أنهم يكونون أيضًا أقل إظهارًا للسلوكيات الإيجابية مثل مساعدة الآخرين"، وحذر الباحثون من أن طريقة تعامل الآباء مع أطفالهم في سن مبكرة يمكن أن يكون لها تأثير طويل الأمد على سلوكهم في مرحلة الشباب؛ إذ ينبغي على الكبار تشجيع الأطفال على تنظيم مشاعرهم في سن مبكرة، والامتناع عن ضربهم، خصوصًا على الوجه.

يقول جوستافو كارلو -الباحث الرئيسي في الدراسة، وأستاذ السلوك ومدير مركز مو للسياسة الأسرية- لـ"للعلم": "إن الهدف الرئيسي من الدراسة فهم التفاعل بين الأبوين وأثره على نمو الطفل على المدى البعيد، خاصة أننا نهتم بمعرفة ما إذا كانت طباع الطفل -ومنها العواطف السلبية وسرعة الانفعال- ناتجةً عن استخدام الوالدين للضرب الشديد، وإمكانية تأثير ذلك على ميل الطفل إلى سلوكيات اجتماعية سلبية مثل العدوانية والانحراف، أو إلى سلوكيات إيجابية كمساعدة الآخرين".

يضيف جوستافو أن "الدراسة نتاج نحو 10 سنوات من البحث، وهى من الدراسات القليلة التي توضح التأثير طويل الأمد لضرب الأطفال. وتنفرد بأنها تضم عددًا من الأسر قليلة الدخل والمتنوعة عرقيًّا، إذ إن التأثير السلبي للعقاب الشديد يحتمل أن يكون نابعًا من مشكلة الفقر. ومن المهم جدًّا أن يمتنع الوالدان عن عقاب الطفل بدنيًّا؛ لأنه يمكن أن يكون له آثار طويلة الأمد، وإذا أردنا رعاية السلوكيات الإيجابية، يجب على جميع الآباء تعليم الطفل كيفية تنظيم سلوكياته في وقت مبكر".

أساليب العقاب :

يؤكد جوستافو أن "هناك العديد من أساليب العقاب التي يمكن أن يعتمد عليها الوالدان في تأديب الطفل، مثل العزل لدقائق، وعدم التحدث معه لبعض الوقت، أو حرمانه من بعض الامتيازات مثل الذهاب إلى النادي، وتُعَدُّ هذه الوسائل فعالة مع الأطفال صغار السن"، مشددًا على أن "هذا البحث لا يعني أن مَن تعرضوا للضرب سيكون لديهم سلوكيات سلبية خاصة، لكنه يعني أنه عند دمج عامل التعرُّض للضرب مع عوامل خطر أخرى مثل أصدقاء السوء أو التعرض لوسائل إعلام عنيفة، ستكون النتائج سيئة، ما يستوجب وقفة مع الذات من جانب الوالدين للإجابة عن سؤال هو: لماذا نعرض حياة أطفالنا للخطر؟".

ويشير جوستافو إلى أن "إحدى أكثر النتائج إثارة للدهشة تمثلت في الآثار طويلة الأمد التي تركها العقاب البدني الشديد على الأطفال الأمريكيين من أصل أفريقي، والذي يفوق مثيله عند نظرائهم من الأصول الأوروبية"، مُرجعًا ذلك إلى أن "الآباء الأمريكيين من أصل أفريقي يستخدمون العنف بدرجة شديدة أكثر من الآباء الأمريكيين من أصل أوروبي"، في إشارة إلى أنه "كلما زادت معدلات العقاب البدني وشدته، امتدت آثارها بصورة أكبر في المستقبل".

ويتوقع جوستافو أن يساعد هذا البحث الآباء والأمهات والمربين على التعامل مع الأطفال ذوي الدخل المنخفض والمتنوعين عرقيًّا بصورة أكثر مرونة، وبما يضمن سعادة هؤلاء الأطفال في المستقبل، وفق قوله.

آثار سلبية :

تشير دراسة سابقة أجراها باحثون بجامعة نيوهامبشير الأمريكية إلى أن "تعرُّض الأطفال للعقاب البدني في سن مبكرة يصيبهم بالعدوانية، حتى لو كان هدف الضرب منع الطفل من القيام بسلوك معين، كما يؤدي إلى تنامي التصرفات العدوانية للأطفال بعد التحاقهم بالمدرسة".

وكشفت الدراسة أن "94% من الآباء الأمريكيين ضربوا أطفالهم في سن الثالثة والرابعة، و50% يستمرون في ضرب أبنائهم حتى عمر 13 عامًا، وأن 7% من المراهقين الذين لم يتعرضوا للضرب يسيئون معاملة أطفالهم مقارنة بـ24% ممن تعرضوا للعقاب، وأنهم يَعُدُّون الضرب طريقة لحل المشكلات، وقد يستمرون في ذلك في مراحل لاحقة من العمر، مما يجعلهم يضربون زوجاتهم وأطفالهم".

وفي السياق ذاته، تحذر جون ديورانت -أخصائي الطب النفسي والأستاذ المساعد بقسم العلاقات الأسرية بجامعة مانيتوبا الكندية- في دراسة لها من أن "العقاب البدني للأطفال يرفع مستويات العنف والعدوانية لديهم بعد نضجهم حيال المحيطين بهم. وأن للعقاب البدني علاقة كبيرة بتطور الأمراض النفسية لدى هؤلاء الأطفال في مراحل متقدمة من العمر، مثل إصابتهم بالاكتئاب والقلق وفقدان الأمل، وتعاطي المخدرات والكحوليات، وضعف النمو الذهني وما يتبعه من ضعف التحصيل العلمي، ونقص المادة الرمادية في المخ".

وتشدد الدراسة على "ضرورة تزويد الوالدين بأساليب التربية الصحيحة، فعلى سبيل المثال، يمكن توعية الآباء بأن مقاومة الطفل لتناول الطعام لا يمثل تحديًا لوالديه، بل هو جزء من التطور الطبيعي للطفل".

يقول علي بهنسي -استشاري طب نفس الأطفال- لـ"للعلم": "عندما يتعرض الطفل للضرب قبل سن السابعة، فإنه يختزن مشاعر سلبية يسقطها على أبويه عندما يكبر. ويمكن أن يصاب الطفل بالخوف بصورة تجعله عاجزًا عن الدفاع عن حقه، ومع تصاعد حدة العقاب، يصاب الطفل باضطرابات نفسية وانعزالية واكتئاب، ويزداد الأمر خطورة عند تعرض الطفل للعقاب البدني بعد سن السابعة. فبجانب التأثيرات السابقة يصبح شخصية سيكوباتية، فينحرف عن السلوك السوي ويميل إلى السلوكيات المضادة للمجتمع والخارجة على قيمه ومعاييره ومثله العليا وقواعده، بحيث يشعر بالراحة النفسية عندما يؤذي مَن حوله حتى يفسح الطريق لنفسه ويرضي غرائزه ونزعاته، من خلال إثارة الوقيعة والسرقة وغيرها من السلوكيات الضارة دون أن يشعر بالذنب تجاه أي فعل يقوم به أو أي ضرر يلحقه بالآخرين".

فن اختيار العقاب المناسب :

ويشدد بهنسي على أهمية "العقاب الإيجابي" الذي يساعد في تكوين شخصية الطفل وتعليمه الالتزام بالقوانين المجتمعية من خلال تفاعله معها، كأن "يتم عقاب الطفل من خلال النظرات الحادة أو حرمانه من أمور بسيطة محببة له، مثل منعه من مشاهدة الكارتون المفضل له، أو حرمانه من الذهاب للنادي، على أن تتناسب مدة الحرمان مع حجم الخطأ، كما يمكن إشراك الطفل في اختيار طبيعة العقاب الموقع عليه بما يساعده على الالتزام بالقوانين المجتمعية"، مشيرًا إلى أن "العقاب علم له قواعد، أهمها ألا يكون بدافع التشفي والشماتة، وأن يتناسب مع حجم المشكلة، ولا ينتج عنه إيذاء نفسي أو بدني، وأن يتم توقيعه بعد حدوث المشكلة مباشرة لأن العقاب بعد مرور الوقت يتحول إلى موقف شخصي. ولا بد من إعطاء الطفل الفرصة لممارسة حياته بحرية وأن نمنحه مساحة للخطأ مثل البالغين، وأن يكون لدينا القدرة على تقدير الأخطاء، فهناك أخطاء تتطلب التدخل الهادئ، وأخطاء تتطلب التدخل اللحظي بحزم دون عنف، وأخطاء مقبولة".

تأجيل العواقب :

من جهتها، ترى مها نونو -المستشار التربوي ومؤسس شركة "المربي الواثق"- لـ"للعلم"، أن "العقاب بكل أنواعه مرفوض؛ فالعقاب النفسي يتساوى في تأثيره مع العقاب البدني، إذ إن العزلة تثير مراكز الألم نفسها الموجودة في الدماغ والتي يثيرها الضرب، ما يصيب الطفل بأمراض مثل التلعثم والاكتئاب ويُفقده ثقته بنفسه، ويمكن أن نستبدل بالعقاب تأجيل العواقب، بمعنى أنني لا أعاقب الطفل بالحرمان من الذهاب للنادي أو مشاهدة التليفزيون، وإنما أؤجل ذلك لحين تعديل الطفل لسلوكه الخطأ، ويجب أن يصل هذا المفهوم للطفل من خلال التواصل الجيد معه وتفهُّم مرحلته العمرية وتوقع ردود أفعاله".