"استخرج من الفقرة السابقة مايلي:

1- اسمًا مفعولًا، وزنه.

2- ممنوعًا من الصرف وبين سببَ المنع

3- فعلًا مبنيًا للمجهول وبين مرفوعَه

وأخيرًا، اسمَ مكانٍ واذكر فعلَه. "

ماسبق كان يعدُ بالنسبة لي الجحيمُ الخالص في فترةٍ من فترات حياتي، وحتى هذه اللحظة ربما تختلطُ أحلامي بتلك الأيام فأستيقظ فزعة لأجد الوقتَ قد مر ولا نحو أو صرف بعد الآن، أو هذا ماكنت أعتقده على أي حال.

تعلمنا في المدارس أن اللغةَ العربيةَ محضُ كتابٍ أو كتابين طوال العام، كلُ كلمةٍ من أي درسٍ من دروسهما تقديرها بدرجةٍ أو أكثر، فقط، الأدبُ والنحوُ والبلاغةُ متساوون، كلهم في النهاية يخدمون غايةً واحدةَ، تحصيلُ نهايةِ العام، ولاتحدثني عن تذوقِ معاني الكلمات، أو الخوضِ فيما وراء بعض الصورِ الجمالية، هي استعارةٌ أو كناية ولو أطلتَ الوقوفَ ها هنا أكثر من ذلك، ستجدُ المعلمَ قد أنهى الدرسَ الأخيرَ وأنت مازلت تبحث عن الجمالِ المستترِش في قوله

والشَّمْسُ في شَفَقٍ يَسِيلُ نُضَارُهُ فَوْقَ العقيقِ علي ذُرًا سَوْدَاءِ

تنفسنا الصعداء ما إن انتهت المواجهةُ الأخيرة ُمع تلك المادة، وفقرةِ النحو المتممةِ للمسير، ظننت أن عهديَ باللغةِ العربيةِ قد ولى، وهذا حدث ولم يحدث، فعهدي بمادةِ اللغةِ، بتلك القواعدِ المصمتة، وذلك التلقينِ الثقيلِ على النفسِ قد انتهى، وبدأ عصرٌ آخر، ابتدأ بتحررٍ من كل قيدٍ كنت أراه في اللغة وكانت النتيجة..مهزلة.

اللغة شئنا أم أبينا لها قواعدها التي تحكم كلَ من يريدُ أن ينطوي تحت رايتِها، ومن حاول التمرد عليها أعادته البديهيات مهزومًا.

لما نظرت إلى أثرٍ عن سيدنا عمر بن الخطاب يقول فيه" تعلموا العربية فإنها تزيد في المروءة" وبحثت عن شرحٍ له، ما العلاقة بين اللغة والمروءة؟ وأن يوصي سيدنا عمر، الصحابي الكريم الذي عاصر أهل الشعر في الجاهلية وبعد الإسلام ، كانت له رؤية لما سيحدث في المستقبل وأراد أن يؤطر لنا الحل لأزمة الهوية التي نعانيها الآن.

بداية، العلاقة بين اللغة والمروءة هو تأصيلٌ لكون اللغة هي أساس الهوية، فقد بدأت الفتوحات في عهد سيدنا عمر، أصبح المسلمون منفتحين أكثر على لغاتٍ وثقافاتٍ أخرى، تلك الثقافات لم يكن بها من سمات مجتمع شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت من شئ، فتخيل معي لو أن المسلمين كلما وطئوا موطئًا جديدًا في العالم من حولهم انسلخوا شيئًا فشئ عن أصولهم، تحدثوا بلهجة أهل هذا البلد، وذابوا في نسيجهم، النتيجة وبلاشك ستكون تطبع كامل بطابع أهل هذا المجتمع، ومايترتب على هذا من تفريط في حدودٍ شرعية لابد منها كي تستقيم حياة الفرد المسلم في مجتمعه الأصلي أو غيره، فالأصل في أمر الهوية الدينية أو العربية هو اللغة، وكلما زادت المسافة بين أهل اللغة وأصلها، كلما تداخلت مفاهيم الهوية وصعب على الفرد إيجاد ومعرفة حقيقة هويته إثر الصراع في نفسه بين لغته الأم وما يترتب عليها من فهمٍ وتصورٍ للعالم من حوله، ولغة المجتمع الجديدة عليه.

والحديث عن أهمية اللغة العربية في فهم مقاصد الشريعة الإسلامية يطول وتفرد له الكتب، ولكن كإضاءةٍ بسيطةٍ على الأمر نقول كما قال الإمام الشافعي

"ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاَّ لترْكِهم لسانَ العرب، وميلهم إلى لسانِ "أرسطاطاليس"، ولم ينزل القرآن، ولا أَتَتِ السنَّة إلاَّ على مصطلح العرب ومذاهبهم في المُحاورة والتخاطُب والاحتِجاج والاستدلال، لا على مصطلح اليونان، ولكل قومٍ لغةٌ واصطلاح"

فالأصل في فهم دلالات وحجج النصوص الشرعية مرده للغة ومدى معرفة المتلقي للنص بها.

وفي الختام نقول، إذا علمت فالزم، ونعلم وإياكم أن اللغة العربية وإن كانت قبل الإسلام مجرد كلماتٍ يصوغ بها أهل الجزيرة حديثهم، فإنها أضحت من بعده شعارًا وهوية، ومناط التغيير في وقتنا الحالي هو بالعودة للأصل والجذور، بإعادة هيكلة نظرتنا للغة ووضعها كإطارٍ يحوي بداخله كل سبل العودة تلك.