إحدى مطارات دول الغرب تلفظ الشمس أنفاسها الأخيرة للتو عبيق ضوها يغمر مغتربي عالم آخر. شعاع يلفظ ضوه بمعطف أبيض لسيدة ترتدي شالا عسليا علي رأسها ينعكس في عيناها العسليتان مثله وبشرتها البيضاء الممتلئة بالنمش يهمس الضو في كتفاها،فيأخذ بأذرها. شعاع آخر يعد أنفاسه سقوطا في انعكاس ساعة يد أحدهم وهو ينظر لها،فيستوقفه الضو الذي ربما ذكره بشيئا ما جعله يتوقف عند انعكاسه. شعاع آخر يتخلل أوتار عود أحدهم يتمايل ويلعب بينهما يحمله رجل شعراته بيضاء كثيفه عيناه السوداتان المتكحلتان يصنعا لوحة مع غزارة شعراته البيضاء. جلس الثلاثة بمقعد واحد صوت هدوء يعم أرجاء المكان خلفيته صوت أنفاسهم ورياح وأمطار عقب غروب الشمس وأصوات خطوات المارة وربما لو أنصت لنظرات أعينهم لسمعت دقات أفئدتهم كل دقة تجسد شيئاً ما يأبى الزمان أن ينسيهم إياه.لم يلفظ أحدهم كلمة واحدة تعطبهم مشاهد الحياة حولهم فى صمت تلوح مصادق الأمور والأفكار بدواخلهم ينظر كل منهما للآخر بعد معرفتهم أسماء البعض. السيدة اسمها شام شامية الموطن والغربة، الشاب يدعي أصيل عله فلسطيني الموطن والهوى والغربة يبدو ذلك متجليا بكل مقتنياته البروش بحقيبته الرسومات التي التى لا تكف أنامله رسما لها، الرجل هلال يبدو أنه مصريا أصيلا كما عبق عوده وإحكام يداه بريشته التي تبدو منها عروق بارزة كما تاريخ مصري قديم.

جميعهم ينظر للآخر في حنين وإعجاب وصمت نظراتهما للبعض كما لو أنها لوحة عالمية لم ترسم بعد.

كلاهما تحدث بصمت نظراته حكيا قصة ما هو هنا إثرها حرقة واشتياق لضيعته أو مدينته، كل منهما يفهم الآخر، فأخذت شام تكتب إحدي كلمات أغاني فيروز وأصيل يرسم المشهد وأدمعه تعتري ورقاته،هلال تمايلت ريشته مع الأوتار عزفا لموسيقى كلمات شام كانت إحدي أغنيات فيروز "أمس انتهينا" لازالت أفواههم تضج بالصمت،ولكن رؤسهم وأعينهم تتمايل حديثا وكأنها تدندن مع عود هلال :

أمس إنتهينا فلا كنا ولا كانَ

يا صاحب الوعد خلِّ الوعد نسيانا

طاف النعاس على ماضيك وارتحلت
حدائـق العمـر بكياً فاهدأ الآن
كان الوداع إبتســامات مبللة
بالدمع حينا وبالتذكار أحيــانا
حتى الهدايا وكانت كلّ ثروتنـا
ليل الوداع نســيناها هدايانا
شريط شـعر عبيق الضوع محرمة
ونجمة سـقطت من غصن لقيانا
شريط شـعر عبيق الضوع محرمة
ونجمة سـقطت من غصن لقيانا

أسـلمتها لرياح الأرض تحملها 


حين الهبوب فلا أدْرَكْتِ شـــطآنا

يا رحلة في مدى النســيان موجعة

ما كان أغنى الهوى عنها وأغنانا