عندما بدأت بقراءة هذا الكتاب علمت أنه ليس من الكتب التي تقرأ مرة واحدة بل إنه يحتاج إلي التمعن فيه وفي عرضه مرات عدة وحرصت علي تلخيصه للاستفادة القصوى منه وسيكون هذا التلخيص علي عدة مقالات عسى أن تجدوا فيهم الاستفادة المرجوة...

  في هذا الكتاب يأخذ المؤلف بأيدينا ويضعنا في أول الطريق إلي معرفة كيفية القراءة في التاريخ وذلك بمنحنا بعض المعلومات القيمة التي يجب أن نتسلح بها حتى لا نقع في فخاخ التصديق للتشوه التاريخي الذي يحدث كثيرًا من المؤرخين...

يبدأ الكتاب بتقديم من دكتورنا الراحل أحمد خالد توفيق رحمة الله عليه يمتلئ بالكثير من المعلومات المفيدة كعادة مقالاته الدسمة مشيرًا إلي جمال وروعة قلم المؤلف وأنه سيكون له شأن عظيم في المجال التاريخي وهو ما حدث بالفعل، فلم يحدث وأن خابت تنبؤات العراب أبدًا وإن كنت ممن تربوا على كتابته فستعلم أنه ما كان ليرشح أحد الكُتاب أو كتبهم او رواياتهم إلا لأنها تستحق ولأنك ستستفيد منها فائدة قصوى..

ثم يتحدث المؤلف وليد فكري عن الكتاب وأنه لا يخص به المحترفين في قراءة التاريخ وإنما هو موجه للقارئ الذي يخطو خطواته الأولى في قراءة التاريخ، معارضًا كما فعل د.أحمد خالد توفيق من قبله طريقة تدريس التاريخ في المناهج المصرية القائمة على التلقين..

يبدأ الكاتب مشيرًا إلي نقطة مهمة يعلمها أغلبنا ألا وهي أن التاريخ يكتبه المنتصرون وهي حقيقة واقعية فعلًا مستدلًا بما حدث من إلصاق أخطر التهم للصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان برغم من أنه أحد كتاب الوحي ورواة الحديث وكذلك الإنكار الفج الذي حدث للرئيس محمد نجيب بعد أن تم الانقلاب عليه من الرئيس جمال عبد الناصر وكأنه لم يكن له وجود قط...

بل قد يتمادى مزور التاريخ ويلصق لنفسه إنجازات غيره كما فعلت أوروبا في العصور الوسطى وأخذت الكثير من إنجازات علماء الأندلس ونسبتها إلى علمائها...

يتسائل المؤلف وأشاركه في هذا التساؤل أيضًا ما الضرر من الإنصاف في كتابة التاريخ ؟

لماذا لابد أن يكون المهزوم ضعيف غبي جبان، عهده ملئ بالسلبيات ؟!!

ليس ذلك فحسب فمن جهة أخرى يعبث المهزوم بالتاريخ أيضًا كما حدث في نكسة يونيو 1967 حيث أن أغلب حديث الكتابات المصرية عن السلبيات التي أدت إلي النكسة تلقي اللوم على العدو فقط كنشره للإدمان أو على الدول الكبري لتحالفها ضد مصر أو بعض الدول الشقيقة لتخليها عنها، دون التطرق إلي الأسباب الداخلية الجوهرية والسلبيات التي أدت إلي مثل هذه النكسة وكأنه لم يكن لها وجود...

إلي الحد الذي يشعر القارئ بالأسى عندما يعلم أن الإسرائليين نشروا كتاب عن هزيمتهم في حرب أكتوبر كتبوا فيه كل المساؤئ والسلبيات التي كانت سببًا في ذلك بكل صراحة وشفافية لتستفيد الأجيال القادمة من كتاباتهم..

وكذلك عندما يحرص المهزوم علي ارتكاب المصائب واستخدامها في تبرير مصائبه الخاصة كما يفعل الصهاينة من إظهار أنفسهم مضطهدين دائمًا لكسب التعاطف وتبرير أي ممارسات وحشية ضد جيرانهم...

ثم في الجزء الثاني من المقال يتحدث عن أهم ثلاثة أساليب يستخدمهم الكاتب في تزوير أو تشويه التاريخ ألا وهم:

1- تقديس البطل 

وذلك بذكر كل الإيجابيات بدون ذكر أي سلبيات أو أخطاء وقد يتعلل بعض الكُتاب ويبررون هذا الأمر بتقديم قدوة للشباب وهو عذر أقبح من ذنب لأنه غالبًا ما يؤدي إلي نتائج عكسية..

حيث يتعلق القارئ بشخصية ليس لها وجود فيفقد مصداقيته في الكاتب أو ينبهر القارئ بالشخصية إلي الحد الذي يجعله يقارن بينه وبين نفسه دون وضع اختلاف الظروف الاجتماعية والثقافية والحياتية لكل منهما في الاعتبار فيشعر بالدونية ويفقد ثقته في نفسه..

2- إعادة كتابة التاريخ من المنظور الشخصي فقط

ويعني ذلك اعتماد الكاتب علي المصادر التي تتفق معه في الوطن والقومية والاتجاه الديني مثلًا دون النظر إلي المصادر الأخري أو سيطرة عاطفته وتعصبه على كتاباته ففي هذه الحالة لا يكون حياديًا في عرضه لأحداث التاريخ...

3- وتابعه قُفة

حيث يظهر الكاتب البطل وكأنه عملاق ومن حوله أقزام، فإن كان البطل شجاعًا مغوارًا فهم جبناء أقل منه ذكاءً وإقدامًا وكأنه يستمد قوته من ضعف من حوله.

ثم يمنحنا الطريقة المثلى لتجنب الوقوع في مثل هذه الفخاخ ألا وهي اللجوء إلى أكثر من مصدر والتأكد من مصداقيته ومحاولة الإلمام بظروف كتابة العمل وتفضيل من عاصر وعاش من المؤرخين في الحقبة الزمنية التي تقرأ عنها عن غيرهم ممن لا ينتمون إليها...

وذلك لأن الحاضر ما هو إلا نتيجة تسلسل أحداث ووقائع سابقة بدأت في الماضي فلو قدم الماضي بصورة غير متقنة لأدى إلي خلل رهيب في حاضر القارئ يدرك أثره على المدى البعيد...