اليوم متعب، شعوري بلا ملامح، متضارب بشكل رهيب، متبعثر لدرجة أنني أكره علامات الترقيم في الوقت الحالي، وأكره التعديل إن احتيج الأمر، في صدري شعور رمادي يعلو من صدري إلى حنجرتي، ويخنقني حتى أكاد أتقيأ، ولا أفعل!


ذهبت مع أمي اليوم؛ لرؤية فتاة ما، قيل لي إنها جميلة، طويلة، مؤدبة، ناعمة، مرحة، (مدردحة)، ولكن لم أجد شيئاً من ذلك فيها، وأنا أعلم أن عيوني ليست عيون غيري، ولكن التناقض لا يكون لهذه الدرجة، كانت بعيدة تماماً عن المواصفات، حتى إنها لم تنظر إلي، وقد سمحت لها بذلك مرات عديدة، وقد رفضتها قلبياً منذ أن دخلت، وأشرت لأمي بعيني أن عجلي، لم تكتف أمها من مدحها، ونصحي بأن الجمال ليس كل شيء، ولم تتوقف عن الحديث، لكن الأمر انتهى في قلبي، وتأذيت؛ لتعرضي للخديعة بشكل ما، وليست المرة الأولى.


قالت أمي ونحن نغادر الشارع: لقد خدعونا.
اتصل بس صديقي القديم، وهو قريب من المكان، ولم أره منذ سنين، فذهبت أنا وأمي إليه، استقبلنا بالترحاب، وكان الأمر لطيفاً للغاية، قالت أمي لصديقي: أنت مملوح وحليوة مثل ابني. فضحكنا ونحن نمشي.


وصلنا إلى بيته في الطابق الأول، أمي متعبة، وصديقي لطيف للغاية، دخل قلب أمي بسرعة.


جلسنا في غرفة الضيوف أنا وأمي وصديقي وامرأتان، كلتاهما متزوجة، ولكن ملامحهما تقول إنهما تحت الثلاثين، لكنهما أكبر من ذلك، إحداهما دخلت الأربعين، وملامحها كبنت الخامسة والعشرين، وهذه عجيبة من عجائب اليوم.


قال لي صديقي: أدلك على فتاتين.
ذهبنا للفتاة الأولى، في بيت بسيط، وعلاقة حلوة أفرادها، جلست امرأتان بجانب أمي، ورجل يحمل طفله بجانبي، وبدأ يلاعب ابنه ويحادثني بلطف.


جاءت الفتاة، وجلست، هذه الفتاة الثانية لهذا اليوم، الأولى كانت بلا شخصية حرفياً، لكن الثانية أفضل منها بكثير، أصغر مني بسنتين، وتعمل في الدروس الخصوصية، ممتلئة هوناً ما، لطيفة، متفاعلة، وهادئة في الوقت ذاته، لكن قلبي لم يتحرك.


تحادثنا في أمور عدة، وكان الحديث جيداً، ثم اكتفيت، فلم أجد في قلبي أي إشارة، فاستأذنت، وخرجنا.


ثم ذهبنا إلى الفتاة الثالثة لهذا اليوم، جلست في غرفة الضيوف على الكنب، استقبلني أخوها المملوح، يبدو أن يحافظ على اتزانه، لا يبدي ردود فعل عفوية، ينطق بكلام مدروس جيداً، بشرته تميل إلى البياض، وملامحه جميلة.


ثم جاء بعده أخوه الذي يصغره، وهو شاب في السادسة والعشرين، يناقضه في كل شيء، فهو أسمر يميل للون البني الداكن، ملامحه باهتة ليس فيها اتقاد، وصوته منخفض مخنوق، فاحترت!


صرت أقول في نفسي: أيهما تشبه الفتاة؟ أهو المملوح؟ أم الآخر؟
جاءت بعدهما الأم، وجلست بجانب أمي، وأفسحت مجالاً لجلوس الفتاة مقابلي إن أتت.
الأم هادئة، لطيفة، كلامها جيد مرتب، وتتفاعل بشكل مدروس ولطيف.


جاءت الفتاة بمرح، أجمل خيارات اليوم من النواحي كافة، جسدها ممشوق وجميل، تفاعلها لطيف، أحاديثها جيدة، مرحها واضح، فهمها جلي، أهلها لطفاء، لكن قلبي لم يقل لي إنه يميل، لكنها كانت أفضل الخيارات لهذا اليوم.
لدي متطلبات في شريكة المستقبل، وهي واضحة، جمال، وعي، تدين.


ولا أتخلى عن أي واحدة منها؛ لذلك طلبت أن تكون جامعية، والتدين بالسؤال عنها، أما الجمال فتقديره لي فحسب، لي فقط.


الفارق فظيع بين الجمال من وجهة نظري، والجمال من وجهة نظر أهلي، وغيري بشكل عام.


الفتاة الأخيرة جيدة فعلاً، لكن جمالها لم يرضني، ليس هذا ما أريد، أريد أجمل من ذلك.


يحاول أهلي إرغامي على التنازل، ولكنهم يغفلون عن الأسئلة التي أسألها لنفسي: هل هذه هي الفتاة التي سأقضي معها عمري حتى آخره؟ هل هذه الفتاة يرضيني استيقاظي على وجهها كل يوم؟ هل هذه الفتاة هي التي سأقاتل كل نساء العالمين عفة لأجلها؟ هل هذه الفتاة هي التي سأتأمل سبحات وجهها بشكل دائم؟
لا أستطيع أن أقرر الأمر، لكنني أنتظر إشارة قلبية واحدة، إشارة تخبرني بأنني ملت، وأنا مصر حتى الآن على النواحي الثلاث مجتمعة، إن لم أجد ما يرضيني، فلا مانع من البحث مجدداً، أو الاكتفاء بنفسي، حتى تتغير قناعاتي، أو يأتي الله بأمر لم يكن في حسباني، والله كريم.


ما أكرهه فعلاً هو شعور الأهل بأنني عبء، واندفاعهم للتخلص من هذا العبء بأي طريقة (تروقهم) وهذا أمر لا ينصفني، فمسألة اختلاف الأذواق موجودة، وعلينا التسليم بها.


يمكنني أن أقول بأنني لم أجد الفتاة التي أقول إنني أريدها بكل ما لدي بعد.
هذا كل شيء.