كانت الجارية الأرمينية ''جلنار'' من أحب الجواري إلى قلب سيدها ''جعفر'' ، فقد كانت تحفظ الشعر وتنشده بصوتها الرخيم فتصبح الكلمات بلحنها كقطع لؤلؤ منضود ، فذاع صيتها في بغداد عاصمة الخلافة العباسية وأقبل التجار على جعفر يساومونه لشرائها فكان دائم الرفض. فقد أغدق عليها من وقته وماله ليعلمها الفنون والعلوم والرماية وركوب الخيل وفنون القتال، وما كان رائجا في وقتهم من ألعاب متنوعة كالشطرنج والنرد فتفوقت عليه وكانت تغلبه فيصفق لها مذهولا ويقر لها بالذكاء وسرعة البديهة .

وذات يوم بينما كانا يتسامران وبعد أن كاد يغلبها في اللعبة ،سمعا طرقا عنيفا على الباب فجرى خادمه يخبره بأن رسولا من القصر يريده،:

- هل أنت جعفر التاجر ؟

- نعم سيدي

- الوزير ''يحيى البرمكي'' يعرض عليك ثلاثة آلاف دينار لشراء جاريتك جلنار

بهت جعفر ولم يحر جوابا فلن يستطيع رفض طلبه ، وما عليه الآن إلا أن يرضخ ...ابتلع ريقه وهو يزف لها الخبر فقالت : هل هان عليكم الود يا سيدي؟

فأجاب مترنحا من صدمة الفراق:

- لا والله ولكنه أمر جلل

جهز الجارية بأفضل الحلل والأثواب من الحرير المطرز بخيوط الذهب والفضة ، والديباج الرومي المشهور ، والعطور الثمينة المصنوعة من الصندل والمسك والعنبر ، والحلي المصوغة من الأحجار الكريمة من ياقوت ومرجان وزمرد وذهب خالص ، والنعال المزركشة والمرصعة بالجواهر ،وبعد أن اطمأن أن لديها كل ما تحتاجه رافقها إلى قصر الوزير ليلا

كانت شوارع بغداد ساكنة تزينها مصابيح جميلة ذات إنارة رمادية هادئة تضفي على المدينة جمالا أخاذا زانته تلك الأرصفة المنمقة والمباني المقببة البديعة الشكل بألوانها الزاهية ومآذنها المشيدة بتصاميم مبتكرة رائقة، وفي جوانب الطريق شيدت أحواض مائية يجري الماء فيها عذبا فراتا يسر الناظرين .

وقفت الجارية بين يدي الوزير فوضح لها أن الخليفة العباسي يبحث عن جارية تجيد لعبة الشطرنج وتحفظ الشعر لتسري عنه بعد الحرب الطويلة التي خاضها ضد الروم والفرنجة وأوصاها بان تدخل السرور على قلبه ليجزل لها العطاء

حظيت جلنار باستحسان كبير من الخليفة هارون الرشيد خصوصا بعد أن غلبته مرات عديدة في لعبته المفضلة ، وفي مجلسه الأدبي كانت تنشد الشعر وتغنيه بصوت عذب يدمي القلوب لفرط شجنه :

يقولون ليْلى بالْعِرَاقِ مَريضة

فَمَا لَكَ لا تَضْنَى وأنْتَ صَديقُ

سقى الله مرضى بالعراق

فإنّني على كل مرضى بالعراق شفيق

فإنْ تَكُ لَيْلَى بالْعِراقِ مَريضَة ً

فإنّي في بحر الحتوف غريق

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا

ومالي إلى ليلى الغداة طريق

كأنَّ فُؤَادِي فِيهِ مُورٍ بِقادِحٍ

وفيه لهيب ساطع وبروق

إذا ذَكرَتْها النفْس مَاتَتْ صَبابَة

ً لَها زَفْرَة ٌ قَتَّالة ٌ وَشَهِيقُ

فيشهق الحاضرون مستحسنين صوتها الشجي الحزين فنالت ما لم ينله غيرها من عطايا أثارت غيرة القيان والمحظيات.

وذات يوم بينما كانت تتجول في السوق رفقة خادمتها رأت شيخا زاهدا سيماه الهيبة والوقار ينشد:

لعَمْرُكَ ما الدّنيا بدارِ بَقَاءِ

كَفَاكَ بدارِ المَوْتِ دارَ فَنَاءِ

فلا تَعشَقِ الدّنْيا، أُخيَّ، فإنّما

يُرَى عاشِقُ الدُّنيَا بجُهْدِ بَلاَءِ

حَلاَوَتُهَا ممزَوجَة ٌ بمرارة ٍ

ورَاحتُهَا ممزوجَة ٌ بِعَناءِ

فَلا تَمشِ يَوْماً في ثِيابِ مَخيلَة

                                                                                                              فإنَّكَ من طينٍ خلقتَ ومَاءِ

فأجهشت بالبكاء وسألت خادمتها من يكون هذا؟

- ٳنه الشاعر أبو العتاهية ألا تعرفينه ، لقد آثر حياة الزهد بعد حياة اللهو والفجور.

تلك الليلة لم تنم وهي تحاول تذكر الأبيات ، وتتساءل عن سبب عيشها ومغزى حياتها، وبعد أيام قليلة أعلن الخليفة عن عزمه خوض حرب جديدة ضد الروم ،فقررت بينها وبين نفسها أن تشارك خفية ، فحلقت شعرها و تنكرت في زي جندي ولحقت بجيش الخليفة ، وأبلت بلاء حسنا في الحرب وأبانت عن قوة وشجاعة نادرتين حتى جعلت قائد الجيش يسأل عنها ، فادعت أن اسمها علاء الدين .

وبعد انتصار الجيش وعودتهم ، اعتزلت حياة اللهو والغناء وأعلنت إسلامها ، واعتكفت في خلوتها تعبد ربها وتحفظ ما تيسر من القرآن والحديث، وتشارك في جميع الحروب التي يخوضها الخليفة دون أن يعلموا طبعا هويتها.

وكان القائد دائم البحث عن الجندي علاء الدين ليكافئه على شجاعته دون جدوى ، وفي الحرب الأخيرة مع الروم ، أصابتها ضربة سيف قاتلة فاستشهدت على إثرها وأسلمت روحها الطاهرة ، وعندما كانوا يحملون الجثث لدفنها كشفوا عن وجهها وشهقوا من الدهشة عندما اتضح أن علاء الدين لم يكن سوى الجارية جلنار .


1- قيس بن الملوح

2- أبو العتاهية