كان يغط في نوم عميق عندما أخذت هاتفه النقال وتسللت خارجة بخفة، أغلقت عليها الحمام وأدخلت كلمة السر التي التقطتها في غفلة منه . تلاحقت الصور أمامها زوجها وأخرى في الكوشة توالت الصور ، هاهو يلبسها خاتم الزفاف وصورة يقبل فيها رأسها والأخيرة سيلفي وهما يتعانقان في سعادة . ألجمتها الصدمة وأخرستها تماما فانهمرت دموعها كالشلال ، وانغرز خنجر مسموم في قلبها واستقر...

تناهى إلى سمعها صوته فمسحت دموعها على عجل ورسمت ابتسامة رضا على شفتيها وهي تهتف : صباح النور ، أمعنت في مراقبته وهو يتناول إفطاره بشهية ملحوظة ويثرثر على غير العادة ، كبتت مشاعرها المجروحة وداست بقسوة على أي مشاعر غضب أو غيرة بل هشت في وجهه وضحكت لنكاته السمجة ودللته كعادتها بطيب خاطر.

انزوت في ركن من الغرفة وأكملت نشيجها الصامت وهي تردد : ( يا نار كوني بردا وسلاما..)   ، يا إلهي كيف فعلها بعد هذا العمر ، كيف هان الود عليه وكحلت عينيه أخرى فاستباحت اسمه وقلبه ، كيف لهذا الرجل أن يكون له من قلبين كيف استطاع...
قلبها أضحى نارا تأكلها لم يعد للزمن معنى ولا للماضي نبض يسعفها أي فرحة ستذيب هذا الألم... كيف ستداري وجعها أمامه وأمام فلذتي كبدها ...روحها الآن معلقة بأنشوطة تخنقها ولا تنفك تخزها بألم كالإبر الحادة حتى الدموع انحبست فجأة وغارت في أعماقها موغلة ، ألم يقل لها يوما أنت كل ما لدي وما أملك طوع أمرك وقلبي ليس عليه سلطان غيرك ... انهار كل ما حسبته يوما لها دون غيرها ، لم تستطع لا النهوض ولا لملمة شتات ما تمزق منها كأنها أضحت مسخا بلا روح ولا عاطفة جمدت في سريرها واجترت وجعها للنهاية ، صورتهما معا عالقة في الذاكرة تومض كل حين ... عروسه جميلة أجمل منها أجل ... بل أصغر منها حتى ...

أصبحت تلك الصورة هي أزمتها ومتلازمتها الأبدية ، لا تغادرها أبدا عندما تبسم له أو تحادثه في كل سكناتهما ، أبقت الوجع مخفيا وسايرته في كذبه وغيابه المتكرر ، بل أصبحت  روح البيت النشطة أمام الأبناء والغرباء وكل من زارها يجدها باسمة الثغر هانئة الروح ، أما الخنجر فكان يزداد انغرازا مع كل فرحة تراها في عينيه أو شعرة تراها في طيات ملابسه أو عطر ملتصق بأنفاسه مع كل هبة ريح بل كل نسمة كانت تمتزج به وتهب لتزيد الجرح لهيبا وصراخا . يقولون المرأة حدسها أقوى وتحس بالخيانة وتشمها عن بعد ، فعلا فقد شعرت هي بذلك منذ أمد وترقبت وتربصت له ولكن كان الأوان قد فات ، فلم لم يشعر هو بها ولم يدر للحظة بألمها ألم يلاحظ حزنها الدفين في عينيها ألم يستشعر برودة في كلماتها المقتضبة ومشاعرها اليابسة... ألم يلن قلبه للحظة ويتبين دمعة تبرق في مقلتيها... ألم يمض معها عمرا امتزجت فيه روحيهما و تساكنت حتى أضحى يفهمها من نبرة ويقرؤها من لفتة .. فكيف تغاضى عن كل ذلك في أنانية مقصودة ولم يلمح ألوانها الباهتة وخفوتها البطيء؟

كان غيابه يزداد وبروده يستفحل وضحكته في البيت تضمحل ، لا يروقه شيء ، يصرخ في وجهها تارة ويلومها على التوافه تارة أخرى، وهي منتصبة كالنخلة لا تئن ، لم تشك لأحد بلواها سوى الله ، بداخلها جراح تنوح ، ودموع تداريها في أنفة و شموخ أنثى لا تشكو.

رباطة جأشها أكانت لتدوم أليست إنسانا من دم لحم ، لم لا تنتفض و تمحو عنها غبار الألم والأنين ، وتواجه جلادها لصنيعه وتعاتبه لترتاح، ولكن النهاية كانت تؤرقها فلا هي مستعدة لفراقه بعد هذا العمر ، ولا مستطيعة البقاء على هامش حياته شريكتها فيه أخرى ظلها يرافقه وعطرها يلتبس به وينثره في بيتها كمبيد يقتلها ولا يبقي فيها بارقة أمل .
لطالما سمعت عن نساء صبرن على الضرة وصادقنها بسماحة قلب وطيبة روح تساءلت كيف استطعن ذلك من أين لهن القوة و الجلد ؟
هناك أرواح ضعيفة هشة أمام النكبات لا قدرة لها على الصمود خلقت رقيقة وشفافة كالزجاج إن أصابها خدش أفسدها وتعرضت للتلف ... 

ارتفعت حرارتها وأوهنتها الحمى تماما ، ارتعشت واصطكت أسنانها في ألم وارتفع وجيف قلبها الواهن وعلت الصفرة جبينها الملتهب ، كانت تئن وتهذي باسمه ، نهض من نومه وسارع إليها ، ممسكا يدها يتحسس حرارتها ومواضع ألمها ، قالت له مشيرة إلى قلبها : الألم هنا ، حاول حملها إلى اقرب مستشفى فامتنعت في ضعف ، وارتخى جسدها المنهك في تثاقل ، أمسك بيديها باكيا ، نظرت إليه بأجفان مثقلة وأناملها ترتعش بين كفيه ودمعها ينساب بحرقة همست بصوت واهن معاتبة : لماذا؟ أجهش بالبكاء محاولا الكلام ، فجأة أحس يديها مرتخيتان باردتان ، و موضع ألمها كان قد هدأ في سكون أخير.