بأنك إذا بحثت في السير الذاتية لكثير من العظماء في مختلف المجالات ستجدهم يقصون تجاربهم السابقة التي عادة ما تحمل قدرًا من المصاعب والضغوط العصبية التي كانت عنوانًا رئيسًا لحياتهم في الصغر، لا تظنن أن هذا الحديث من قبيل تشجيع أولئك المُحبَطين الذين يبحثون عن أي طاقة للأمل للخروج من ظروفهم الصعبة، ويرون في هؤلاء الناجحين قدوة تشجعهم على إكمال مسيرتهم الشاقة في سبيل تحقيق الأهداف، لكن قد يكون من الأشياء التي تُثير دهشتك هو أن التعرض للضغط العصبي بقدرٍ مُحددٍ هو ما يصنع الناجحين.

تُعرف أستاذة علم النفس الأمريكية «كاثلين غونترت» الضغط العصبي على أنه الإجهاد الذي يحدث عندما يشعر شخص ما بأن هناك عدم توازن بين العمل المطلوب منه والموارد المتاحة له.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن هناك نوعين من الضغط العصبي أشارت إليهما مجلة التايم الأمريكية في مقالٍ لها؛ أما النوع الأول فهو الضغط العصبي السلبي، والذي يظهر حينما يمر الشخص بمحنة أو مشكلة تستدعي اتخاذه إجراءات سريعة حتى لا يتفاقم الأمر، على سبيل المثال اقتراب موعد تسليم عمل ما وأنت لم تنتهِ منه بعد، أما النوع الثاني من الضغط هو إيجابي يظهر على سبيل المثال عندما تقرر الشروع في تجربة جديدة وتتحدى نفسك لتنجح فيها، وهذا نوعٌ محمودٌ من الضغط العصبي، لكننا هنا نتحدث عن النوع الأول من الضغط العصبي «السلبي».

في دراسات علمية أجراها البروفيسور «سيري» وزملاؤه في جامعة كاليفورنيا على عينة من الأشخاص الذين تم وضعهم تحت الملاحظة لسنوات، ووجهوا دراستهم إلى الضغوط التي تعرض لها هؤلاء الأشخاص سابقًا وفي الفترة الزمنية المعاصرة للدراسة، وكذلك مدى الصحة العقلية والرضا عن الحياة عند هؤلاء الأشخاص.

وبحسب موقع psychology today أظهرت هذه الدراسة أن الأشخاص الذين واجهوا بعض الضغوط العصبية ـ التي يمكن إدارتها والتحكم فيها ـ كانوا ذوي نتائج أفضل من حيث مستوى الصحة العقلية والرفاهية ليس فقط من أولئك الذين عانوا طوال حياتهم من المشكلات والضغوط العصبية، ولكن أيضًا من الأشخاص الذين كانت حياتهم مستقرة للغاية طوال حياتهم، ولخص العلماء القائمون على هذه الدراسة نتائجهم في جملة واحدة «إن المواقف التي لا تقتلك تقوّيك».

لكن نتائج هذه الدراسة واجهت بعد التشكيك بأنها من الصعب تعميمها على الجميع، وأنها ربما تكون متعلقة بظروف أخرى لدى المبحوثين مما أستدعى قيام عدد من العلماء منهم البروفيسور «سيري» و«وهولمان» وآخرين بإجراء دراسة أخرى على مدى تأثير تعرض الشخص لقدر معتدل من الضغوط النفسية في حياته على شعوره بآلام في الظهر المزمنة، وذلك في دراسة أُجريت على نحو 400 شخصًا يعانون من هذا الألم المزمن، وأظهرت هذه الدراسة نتائج متطابقة مع الدراسة السابقة، وأن الأشخاص الذين يتعرضون لقليل من الضغط العصبي كانت حالاتهم الصحية أفضل من أولئك الذين عاشوا طوال حياتهم بين المشكلات، ومن هؤلاء الذين كانت أحوالهم مستقرة طوال حياتهم تقريبًا.

وبناءً على هذا فهناك بعض المزايا التي تنتج عن تعرض الشخص لقدر معتدل من الضغوط العصبية ومنها:

1ـ الضغط العصبي يحفز على العمل

تزداد دوافع الأشخاص على إنجاز المهام بشكل أسرع وبجودة أفضل كلما اقترب الموعد المحدد لإنجاز هذه الأعمال من الانتهاء، فشعورك بأن إمتحانك سينعقد بعد بضع ساعات وأنت ما زلت لم تنتهِ من مذاكرتك بعد قد يكون حافز قوي لمضاعفة مجهودك لإنجاز الأمر، وقد يترتب عليه الحصول على نتائج مبهرة.

2ـ الضغط العصبي يزيد من الثقة في النفس

بالرغم من أن شعور الإنسان بالضغط العصبي قد يجعله يشعر بالسخط، لكن هذا الضغط يعزز من ثقة الشخص بنفسه في قدرته على حل المشكلات التي تواجهه في المستقبل، وأن خبراتك السابقة ستجعلك تواجه العوائق التي تعترض طريقك بدلًا من تجنبها؛ لأنك نجحت في تخطيها من قبل.

3ـ الضغط العصبي يعمق أواصر العلاقات

يُقال أن معادن الأشخاص تُعرف في أوقات الشدائد، لذلك كان من البديهي أن تكون من أبرز الآثار الإيجابية التي تترتب على تعرض الشخص لضغوط ومشكلات هي أنها تساعده في بناء علاقات اجتماعية، فتكوين العلاقات الاجتماعية تُعتبر من أكثر الأساليب الوقائية ضد التعرض لمشاكل صحية عضوية كانت أم نفسية، فالتشارك في الأوقات العصيبة هي من أبرز عوامل تكوين الصداقات العميقة.

4ـ تتعرض لضغوط إذن فأنت تحيا من أجل رسالة

قد يظن البعض أن الحياة إذا كانت مستقرة سيكون ذلك أفضل لهم من الجانب النفسي، والحقيقة عكس ذلك، الناس تبحث كل يوم عن إتمام أعمال تجعلهم يشعرون بالفخر؛ حتى تكون حياتك ذا معنى، هذه الأعمال بالضرورة تحمل في طياتها الكثير من الضغوط والمعوقات التي تتطلب من هؤلاء الأشخاص تجاوزها، ومهما كان الطريق شاق فإن للوصول للهدف متعة لا تُقارن بغيرها؛ لذا يرى الكثيرون أن المتعة في الرحلة وليس في الوصول.

5ـ الضغط العصبي يساعد في نمو الأطفال

كثيرًا ما تقلق الأمهات من أن يؤثر الضغط النفسي الذي يواجهونه بالسلب على الأجنة قبل ولادتها، لكن في دراسة للعالم «جونز هوبكنز» في 2006 وجدت أن معظم الأطفال الذين كانت أمهاتهم يعانون من قدر معتدل من الضغط العصبي أثناء الحمل يتمتعون بقدرات حركية وينمون بشكل أكبر في سنتهم الثانية وذلك مقارنة بأطفال الأمهات اللائي لم يكن يعانون من أي ضغط نفسي أثناء الحمل.

وأخيرًا.. لكل موقف في حياتنا جانبين؛ أحدهما سلبي والآخر إيجابي، لكن آفة البشر أنهم لا يرون الأشياء إلا من زاوية واحدة، ويظل الجانب الآخر ينتظر الفرصة ليظهر، وذلك يكون من خلال تأثيره على شخصيتك، فالحياة عادلة إلى قدرٍ كبيرٍ كما تقذفك بالمشكلات تُكسبك أيضًا في الوقت ذاته بالعديد من المهارات، كما النحل قد يقرص المرء مرة، لكنه يمنحه عسله ليُشفى به مرات.

المراجع

How some stress can actually be good for you

why some stress is good for you

5weird ways stress can actually be good for you