كم من مراهق تجده يلوم العالم أجمع على إحباطه و فشله، تجده يلوم الجميع إلا نفسه.  يحس دائما أنه الضحية، يصير طفلا عندما يناسبه ذلك، و رجلا عندما يناسبه الأمر، على هواه تارة هكذا و تارة هكذا. ناهيك عن انعدام الشعور بالمسؤولية و الاتكال على الأهل في كل شيء.  فتجدهم يدرسون علم النفس و علم الاجتماع، في بحث عن حلول لمساعدة أبنائهم (المراهقين).  

في كل مرة، أقرأ مقالا عن المراهق أتذكر عظيما من عظماء التاريخ، كان في سن الثامنة عشر عندما قاد جيشا بأكمله! 

أسامة بن زيد، و ما أحوجنا لأمثالك يا ابن زيد! حِبّ رسول الله و ابن حبِّ رسول الله. في زمن اعتبر فيه أبناء الثامنة عشر مراهقين طائشين، تجدنا لا نحملهم المسؤولية و نتغاضى عن زلاتهم التي لا تنتهي، ليشعروا بأنهم لا يزالون صغارا فيتمادون أكثر، بينما قاد هذا الصحابي الجليل في سن الثامنة عشر جيشا كان فيه أميرا على صحابة رسول الله و هو الفتى الغر. 

فما قصته، و ما الذي يميزه عن شبابنا؟

ولد أسامة بن زيد في ظل الإسلام، و كان منذ نعومة أظافره مصاحبا للرسول الله صلى الله عليه وسلم، ترعرع في المدرسة النبوية، و كان من أحب الناس إليه. حيث كان صلوات الله و سلامه عليه يقعد أسامة على فخده و يقعد حفيده  الحسن بن علي على فخذه الأخرى ، ثم يضمهما و يقول : ( اللهم إنّي ارحمهما فارحمهما ) وفي رواية : ( اللهم أنّي أحبهما فأحبهما).

و كبر أسامة، و بلغ الإسلام قوته بإسلام الجزيرة العربية، و بدأ التطلع إلى بلاد الروم.

 أمر الرسول الكريم بإعداد جيش للغزو تحت إمارة أسامة بن زيد، فعارضوه بدعوى أنه فتى غر، كيف له أن يكون أميرا على جيش فيه عمر بن الخطاب  و أبو بكر الصديق!  و كان جوابه لهم : (أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله ، وإنه لخليق بالامارة ، وان كان أبوه لخليقا لها ) فأدعنوا لأمر نبينا الكريم.  إلا أن المرض اشتد عليه، فتباطأ خروج الجيش. 

و كانت الفاجعة، مات خير الأنام، و خرج أبو بكر رضي الله عنه مناديا في الناس: ( أيها الناس، من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، و من كان يعبد الله، فالله حي لا يموت). 

تولى عندها رضي الله عنه خلافة المسلمين، و تزعزع إسلام المحدثين، حيث ارتدت أغلب قبائل الجزيرة عن دين الله، منهم من عاد إلى عبادة الأصنام و أغلبهم امتنعوا عن أداء الزكاة، ثالث ركن من أركان الإسلام.  

و رغم سوء الأوضاع، حافظ أبو بكر على العهد و أصر على إرسال جيش أسامة إلى الروم كما اتفق، في جلبة شديدة من معارضين للبعثة ككل و آخرين معارضين لإمارة أسامة.  و كان جوابه: (ما كان لي أن أحل لواء عقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-).

على هذا، بدأ الجيش بالتحرك، و في الوقت الذي كان فيه أسامة بن زيد راكبا فوق صهوة جواده ظهر أبو بكر قربه يحث الخطى ماشيا، الأمر الذي أحرج أسامة فقال له :( يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن ). فرد أبوبكر :( والله لا تنزل ووالله لا أركب ، وما علي أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة ). ثم استأذنه في السماح لعمر بن الخطاب بالبقاء ليكون له عونا في الصمود أمام فتنة الردة قائلا : ( ان رأيت أن تعينني بعمر فافعل ). و كان له ما أراد. 

فياله من حياء من ابن زيد و ياله من تواضع من أمير المؤمنين. 

و انطلق الجيش تحت إمارة أسامة بن زيد، ترى الخيول و هي تحفر الأرض بحوافرها تدب الرهبة في نفس كل من مرت بهم من قبائل العرب تاركة وراءها الغبار في الأعالي و الهيبة في القلوب.  ففر من فر، و خسر من واجههم، و عاد الجيش منتصرا سالما غانما حُسْنيَيْن : تأمين حدود شبه الجزيرة العربية ، و دب الرعب في القبائل المرتدة. 

و ما هي إلا موقعة من كثير مما شارك فيه هذا الصحابيالجليل، فقد قاتل تحت لواء أبيه فيه غزوة مؤتة و استشهد أبوه أمام عينيه ، و رغم ذلك لم يستسلم و لم يتهاون بل ما زاده ذلك إلا عنادا و بسالة في القتال، و كان آنذاك لم يتجاوز الخامسة عشر. 

جعل الله أبناءنا من أمثال أسامة بن زيد ورعا و حكمة و شجاعة و حياء. 

و على هذا أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.