مراجعة رواية ليالي ألف ليلة .. لنجيب محفوظ

هي واحدة من أروع أعمال الروائي الكبير نجيب محفوظ، بل أعتقد أنها الأروع على الإطلاق، ولا أعلم كيف أنها لم تأخذ حظها في الشهرة التي نالتها الأعمال الأخرى، ففي تلك الرواية تتجلي رمزيات محفوظ في أبهى صورها على الإطلاق، ولعلي أقول إن ما أكتبه الآن ليس مراجعة للرواية وإنما هو عرض للإعجاب الهائل لتلك التحفة الأدبية التي يصعب وضع تقييم فعلي لها.

تبدأ الرواية من حيث انتهت ألف ليلة وليلة الأصلية، من بعد الليلة الألف حيث استطاعت شهرزاد ابنة دندان وزير شهريار من النجاة عن طريق حكاياتها المتواصلة للملك شهريار، وتحكي الرواية حكايات منفصلة لكل شخصية في الرواية ومتصلة في البناء الروائي للرواية، وتتشابه الرواية في الحبكة التي تبنتها ألف ليلة وليلة الأصلية، حيث تتلاعب العفاريت والجان بالبشر، ووعودهم الزائفة والخادعة بالسلطان والغنى مقابل ارتكاب أعمال شر.

تلك الرواية في كل كلمة فيها تعكس العظمة الأدبية لنجيب محفوظ، ففيها نرى كيف مزج محفوظ الواقع بالخيال، وأجواء الأساطير بالحارة المصرية، والانسيابية الفائقة في الانتقال من حكاية لأخرى بإبداع منقطع النظير يجعلك تلهث خلف أحداث الرواية، ناهيك عن الإسقاطات السياسية والاجتماعية التي تذخر بها الرواية، وفلسفة الحياة التي تتجلى في العديد من الاقتباسات مثل تلك المقولة: «جرت المقادير بأن يوجد عاقل واحد في كل مدينة مجنونة»، ونصيحة صنعان الجمالي إلى إبراهيم العطار بقوله «لا تأمن لهذه الدنيا يا إبراهيم».

مذهل نجيب حقا في تلك الرواية التي تأسر القارئ بسحر غريب، وتعجز الكلمات عن وصف روعة محفوظ في عرض كل المحاسن والمساوئ البشرية في شخصياته التي أبدع في رسمها، بل وإعطاء دروس الحياة بشكل رائع، وذلك بجانب المسحة الصوفية التي أسبغها على العديد من جوانب الرواية مثل: «نحن نكابد أشواقا لا حصر لها لتقودنا في النهاية إلى الشوق الذي لا شوق بعده، فاعشق الله يغنك عن كل شيء»، «طوبى لمن كان همه هما واحدا ولم يشغل قلبه بما رأت عيناه وسمعت أذناه».

وان كنت تريد أن تعرف لماذا حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب، فالجواب موجود بتلك الرواية، ولم أجد وصفا أكثر دقة من وصف الكاتب بلال فضل للرواية التي قال عنها أنها أجمل وأعذب ما كتبه أبو الكتابة نجيب محفوظ، وبالفعل هي أروع من ذلك حتى أنك عند نهايتها تشعر وكأنك تودع أحد أقرب أصدقائك، بل إنها رواية لا تكتفي منها أبدا، هي رواية تمتلئ بكل روعة الأدب، وترد على كل من يسأل لماذا تقرأ، هذه احدى الروائع التي تقول لنا لماذا نقرأ، بل هو واحدة من الآداب التي تجعلك تشكر الله أنك تعلمت القراءة وأطعت أول الأوامر الإلهية في القرآن وهي «أقرأ»، ولا يوجد ما هو أروع من ختام تلك المراجعة إلا بختام الرواية الأصلي وأروع ما قاله أبو الرواية:

«من غيرة الحق أن لم يجعل لأحد إليه طريقا، ولم يؤيس أحدا من الوصول إليه، وترك الخلق في مفاوز التحير يركضون، وفي بحار الظن يغرقون، فمن ظن أنه واصل فاصله، ومن ظن أنه فاصل تاه، فلا وصول ولا مهرب عنه، ولابد منه»