ذات مساء من أمسيات فصل الربيع من هذه السنة (2019) والذي تزامن مع معرض الكتاب الذي يقام كل سنة بمدينتي "تطوان"، وهذا يعني أننا  سنكون في حضور عرس لا يشبه كل الأعراس ، لأنه عرس ثقافي تربوي بنكهة الأوراق والكتب ، إنما لا يستطيع الجميع أن ينهل من هذا المعرض نظرا لغلاء الكتب لا سيما لطالبة جامعية مثلي ، وهذا ماجعل الأمر يحز في نفسي كثيراً لدرجة أنني تركت المكان منهزمة. .خائبة الأمل. .

ومع ذلك لم أفقد الأمل ، واتجهت حينها لمكان آخر حيث تباع فيه الكتب المستعملة على الرصيف ، فلقد عاندت نفسي بأني سأشتري كتابا ..يعني أني سأشتريه حتى وإن كان باليا، المهم أنني سأشتريه موازاة مع معرض الكتاب ..

وبالفعل فقد توجهت للرصيف وبدأت في قراءة كل ما تيسر لي من العناوين ، فلم أجد ضالتي ، وإذا بي أسأل صاحب الكتب بصوت عال عن كتب الفلسفة لأنها شعبتي التي أدرسها الآن ، فأجابني رجل آخر مسن بعض الشيء ويبدو عليه الوقار من خلال هندامه المرتب والأنيق ، فلقد كان بدوره يبحث عن كتب وكانت بين يديه رزمة منها  والسرور باد على وجهه، مما جعلني أدرك بعدها بأنه كان أستاذا ..ثم أشار إلي أنه يوجد هناك كتاب واحد ووحيد للفلسفة وقد اطلع عليه منذ قليل ، وما كاد يكمل جملته  حتى ذهبت مسرعة نحو الكتاب الذي ناولني إياه صاحبه ، وبسرعة البرق بدأت في تصفحه والإطلاع على محتواه ، ثم أطلقت صرخة بسبب الفرحة التي شعرت بها حينها لأن الكتاب يحتوي على الدروس التي أحتاجها في علم المنطق الأرسطي والتي كنت بأمس الحاجة إليها ، شكرت السيد الذي ساعدني في إيجاد الكتاب واسترسلنا في الحديث بعدها ، لأدرك بأنه صديق لأستاذ في الفلسفة أيضا والذي كان يدرس في ذات الكلية التي أنا طالبة فيها الآن وبأن صديقه له الفضل الكبير في إرجاع القيمة للفلسفة ولتدريسها ، المهم أن كل المشاعر اختلطت حينها لأني صرت فخورة أكثر بانتمائي لذات العائلة .

  ثم قال لي :

هذا الكتاب عبارة عن مقرر في الفلسفة للتعليم الثانوي بالدولة الشقيقة أم الدنيا سنة "1955" ، وهو يجمع ما بين علم النفس والمنطق .

كتاب يشتمل على عشرة فصول فيما يخص علم النفس و المعنونة ب : "المشكلة السيكولوجية : تكامل الشخصية " للأستاذ : "محمد حسن ظاظا" والفصول عناوينها على التوالي : الفصل الأول  عبارة عن مقدمة ثم درس السلوك الجسمي والسلوك العقلي مرورا بالسلوك الفطري والسلوك المكتسب مع اختلاف شخصيات الأفراد وانتهاء بدرس مكونات الشخصية  وهي كثيرة .

ثم يمر المؤلف للفصل الثاني ويشتمل في البداية على تمهيد  ثم درس الشعور ومظاهره الثلاثة ، ثم درس البؤرة والهامش ،  ودرس اللاشعور ،والسلوك الفطري وأخيرا درس الفعل المنعكس.

ويستمر في الفصل الثالث بعنوان الغرائز ، ثم الفصل الرابع والمعنون بالنزعات العامة ، والخامس المعنون بالإنفعالات ، وهي : الإنفعالات بصفة عامة ثم درس اللذة والألم ، ثم تعريف شروط حدوث الإنفعالات  ،وأثرها في الجسم وينتهي عند درس الإنفعالات والحياة.

ثم يمر للفصل السادس المعنون ب  : العادات .

يليه الفصل السابع  تحت إسم العواطف .

ثم الفصل الثامن وهو الكبت والصراع النفسي .

والفصل التاسع ركز فيه على بقية مكونات الشخصية  وهي : الجسم ، والذكاء والقدرات ، ثم المزاج ، وعوامل البيئة ، وانتهاء بالخلق.

 أما الفصل العاشر فهو بعنوان  تكامل الشخصية ،وذلك بامتزاج مكونات الشخصية ودراستها وتكاملها عند "ماكدوجل" و "سيغموند فرويد"، وتخلل الفصل العاشر بعض الرسومات والأشكال .

   وقبل أن أكمل ، سأتطرق أولا إلى بداية الكتاب والذي هو عبارة  عن "مدخل إلى الفلسفة" للدكتور "توفيق الطويل" بحيث تحدث عن ما قبل نشأة العلم والفلسفة ومجالاتها كمبحث الوجود ،ونظرية المعرفة، ومبحث القيم  (الحق والخير والجمال)  ثم الفلسفة وعلم النفس ،والفلسفة والسياسة ، والفلسفة والعلم ، ثم أثر الفلسفة في تطور حياة الإنسان.

        والآن سأكمل الكتابة عن محتويات الكتاب ،وقد وصلت اللحظة للمنطق والمعنون ب : 

     المشكلة المنطقية : الحق والباطل  ..الباب الأول : الإستنباط بنوعيه  للأستاذ "عبده فراج"  ويتكون من خمسة فصول ،وهي على التوالي : المنطق وأثره في رقي الإنسان ..ثم الفصل الثاني يعرف فيه بالمنطق من خلال قضايا المحمول والموضوع  والحد المنطقي  ..إلخ

 ثم الفصل الثالث المعنون ب :  الصدق والكذب في القضايا التحليلية والتركيبية . ثم الفصل الرابع وهو :  المنهج الإستنباطي : أولا في الإستدلال القياسي .

 وانتهاء بالفصل الخامس  وهو ، المنهج الإستناطي : ثانيا في الإستدلال الرياضي ..والتي تتمثل في قواعد المنهج الرياضي عند "ديكارت" وموضوع علوم الرياضة  وأسس الإستدلال الرياضي ،والتعريفات، والبديهيات، والمسلمات أو المصادرات ، وطبيعة الإستدلال الرياضي ، والبرهان الهندسي والقياس ، وأخيرا ،أهمية الإستدلال الرياضي في العلوم الحديثة ، وأيضا تتخلل هذه الفصول عدة رسومات وأشكال للفهم أكثر.

     ثم ينهي الكاتب كتابه بآخر الفصول في الإستقراء والبحث العلمي للدكتور "توفيق الطويل" وهي ثلاثة :

   الفصل الأول في دلالة الإستقراء ...والثاني في مراحل الإستقراء.... ثم الفصل الثالث والأخير بعنوان : في نشأة البحث العلمي وتطوره ، وهنا يضع موقف اليونان من التفكير العلمي (التجريبي) ،وموقف مفكري الإسلام من البحث العلمي ، ثم مرورا بدرس منهج الإستقراء عند "الحسن بن الهيثم" ،والبحث التجريبي في عصر النهضة ،ثم المنهج التجربيبي في أوروبا في العصر الحديث ،دون نسيان منهج الإستقراء عند "فرانسيس بيكون" ...إلخ.

      فالكتاب غاية في الروعة ، ويحمل بصمات وبصمات لطلاب وأساتذة كانوا من الشاهدين على مرحلة تعليمية في زمن مختلف عنا ، وهذا ما جعلني أعشق هذا الكتاب ، ولم أشأ أن يبقى حبيسا معي ، بل أردته أن يصل إليكم ومنه إلى طلبة سنة 1955 من القرن الماضي ،علنا نصادف أحدا منهم هنا في عالمنا "رقيم".

   كم أتمنى أن يشاركنا أحد ما من ذلك الزمان عن تجربته الحية مع هذا المقرر الدراسي ، وأن يتحفنا أكثر عن الطريقة التي درسوا بها ودرسوها خلال تلك السنوات .

   ومن جهتي لقد قرأت الكتاب لمرة واحدة فقط ، لكنني سأعيد قراءته مرات ومرات إن شاء الله حتى تترسخ معاليمه في ذاكرتي أكثر وأكثر ..

       وأحب أن أضيف بأني اعتنيت بالكتاب وقمت بإصلاحه بعض الشيء دون المساس بأساسه حتى لا يفقد تاريخه ......

ومن هنا ، أشكر كل الذين ساهموا سواء من قريب أو بعيد في نشر العلم والتعليم والتعلم ، كما أشكر التلاميذ والطلبة المجدين في دراساتهم ، والذين يقومون بها بكل تفان وإخلاص ، وأمنيتي أن نؤمن بأن التعليم ما زال بخير ،وسيصير بخير ما دمنا من  المتفائلين ......وما دمنا ندرك ما نريده حقا. .


   بقلمي  فريدة بنعبد الكريم