كلنا نعلم وكما جرت عليه العادة ،وككل صباح ، أن أول ما نقوم به هو أننا ننظر للمرآة ، تلك المرآة التي تتميز وتتفرد بوظيفتها الوحيدة ، والمتقنة، والتي لا تحتمل الخطأ ولو لمرة واحدة، ألا وهي "وظيفة الصدق" ، هي ذات الوظيفة التي قد يراها الآخرون وظيفة عادية ، بينما تحمل في المقابل الكثير والكثير من الوظائف الصعبة والشبه مستحيلة ، ومع ذلك تبقى الحقيقة بارزة للعيان ، شاء من شاء وأبى من أبى .

   وهنا تطرح التساؤلات : إلى أي حد قد نستطيع النظر للمرآة ونحن نحترم ذواتنا ؟   إلى أي حد قد نسمح لأعيننا بأن تنظر النظرة المباشرة والواثقة لأعيننا ؟  هل سنستطيع فعلا أن نكذب على أنفسنا أو أن نرتدي الأقنعة ونحن ننظر تجاه تلك المرآة ؟   وإن استطعنا فعلا القيام بذلك ، هل سنحترم أنفسنا  بعدها ؟......

      وهنا تستحضرني الكاتبة والمحاضرة  الأمريكية  " لويز هاي " ، والتي أحترمها كل الإحترام ، لأنها كانت السبب في جعلي أخوض المعركة الحاسمة مع نفسي ، وذلك بمواجهة مخاوفي ورهابي تجاه نظرتي للحياة، سيدة علمتني كيف أستجمع قواي وكيف أقوم بتحدي العواقب ، وكانت أولاها  هي مواجهة نفسي بالنظر لعيوني مباشرة عبر المرآة ، لن أكذب عليكم فلقد كان الأمر صعبا جدا في البداية ، لأنني ببساطة لم أستطع القيام بذلك ،فاخترت الهروب ثم الإستسلام .....لكن هيهات هيهات أن يستمر  الكذب على أنفسنا ..!

    فما كان علي بعدها ، إلا أن أتعلم السماح لصوتي الداخلي بأن يصل صداه لسائر جسدي ، ومنه تعلمت المصالحة الجدية والصارمة مع عقلي اللاواعي ،رغم أننا ما زلنا نتخاصم مع بعضنا البعض في بعض الحالات ....إلا أنها تبقى سنة الحياة ، والدستور الذي يسري على الثنائيات .

   و ماااااا أجمل اللحظة التي تتمكن فيها أخيرا من قول كلمة  " أحبك كما أنت " عبر تلك المرآة ...!    لحظة تبرز خلالها كل الحقائق الماضية  والآنية  والآتية عن الذات ، لحظة تقشعر منها الأبدان ، لتتوضح بعدها كل الرؤى البعيدة عن النوايا الخبيثة والبهتان ، فنسمح حينها بالتنفس العميق بأن يقوم بعمله على أكمل وجه حتى نصل لسلامنا الداخلي في جل المواقف والظروف ، ومنه إلى تعلم الرضا والقناعة واللذان يساهمان بطريقة مباشرة  في خلق الشعور بالسعادة والوفرة ، والنظر للحياة بتفاؤلية  وحب . 

    في  حين أن هناك من الأشخاص من لن يتمكنوا أبدا من النظر لوجوههم بتلك النظرة العميقة والصادقة ، ربما لأنهم لا يثقون بأنفسهم ، أو ربما لأنهم من الأشرار ، أو ربما لأنهم من الكاذبين .....أو أو ...، فالأسباب تختلف أجل ، بينما النتيجة تكون واحدة ، وغير قابلة للتكذيب.

   إذن ، فلنتعلم كيفية إحترام أنفسنا ، وذلك بإعطائها كل ما تستحقه من معاملة طيبة وصدق وطيبة ، فلنتقبل ذواتنا كما هي ، فغيرنا يتمنى أن يعيش ولو بالقليل ضمن النعم التي حبانا الله بها ، فلندرك أننا نملك حياة واحدة فقط ، وواجبنا أن نعيشها كما يجب ، ولنستفد من العلم وقراءة الكتب  والكتابة والتعبير للآخرين عما يخالج صدورنا ، ولنثن عليهم إن قاموا بأشياء رائعة ، ولنتقبلهم بدورهم ، وفي ذات الوقت فلنقم بإعطائهم جرعات من الأمل والحب  والتفاني والشكر أيضا ، حتى نوصلهم لبر الأمان بالتمكن من محبة ذواتهم ، وأخيرا وليس آخرا ...فلنختر قدوات تكون لنا ذلك الملاذ الآمن عندما تطوقنا الصعاب ، فالحياة عبارة عن متقابلات ومتناقضات ونحن من نملك الخيارات في طريقة مواجهتنا لها ....

      ولتكن المرآة صديقتنا ، ولتكن صوتا لضمائرنا ، فلولاها لما أدركنا ماهيتنا ، ولما أدركنا حينها قيمة الصدق ، والذي لن يكون في يوم ما صعب المنال،  وخير مثال هنا  هو ما حصل في القصة التي يعرفها الجميع ، وهي قصة :  " سنووايت "  أو بياض الثلج كما يطلق عليها البعض ،  والأحداث التي حصلت معها بسبب زوجة أبيها ومرآتها السحرية ......

     وفي الأخير دمتم سالمين غانمين ، وبحب الخير متشبعين ..


        بقلمي فريدة بنعبد الكريم