لقد تناولت في الجزء الأول من الفهم بالهوى تطرّق ذلك الفهم وتعدّيه إلى النواحي الدينية ، من حيث إلصاق البعض لفكرة المكائد وحصرها بالنساء فقط دون غيرها عن بقية الأجناس ، وكذلك إنكار غواية الشيطان لآدم وحده عن طريق إقناع زوجه حواء للأكل من الشجرة المحرّمة المنهي عن الأكل منها .

لقد تم دحض تلك المفاهيم وتقويضها جميعاً بالأدلة والأسانيد والبراهين النقلية والعقلية معاً ، حيث أن كلاً منهما ملازم للآخر .

في هذا الجزء سوف أتناول مثالاً آخر من القرآن الكريم اتّسم واصطبغ بصبغة الفهم بالهوى أيضاً ، وهى مسألة تعدد الزوجات .

لقد جاء في القرآن الكريم في الآية ٣ من سورة النساء : " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا " .

لقد تناول البعض من خلال فهمه بالهوى أن المقصد والمغزى من الآية هو التعدد ، في حين أن سبب نزول الآية وهدفها جاء مغايراً تمام المغايرة لذلك الفهم .

إن سبب نزول الآية كما جاء في تفسير التحوير والتنوير لابن عاشور ، أنه جاء تبياناً للسان حال البيئة التاريخية في ذلك الوقت بالجزيرة العربية . من حيث أن بعض الأولياء القائمين على رعاية أمور اليتامى المقيمات الكانفات في بيوتهم ، كانوا يطمعون في الإستحواذ على تلك الأموال المأتمنيين عليها . ولإشباع ذلك الطمع والحصول على الإستحواذ يلجأون إلى الزواج منهن لضمان الرغد والنعيم الدائم لحياتهم الدنيا .

إن بعض الأولياء كانوا يتحرّجون من الإستيلاء على تلك الأموال من اليتامى المكلّفين بولاية أمورهم ورعايتهم ، إلا أنهم لا يجدون تحرّج أو أدنى غضاضة من الزنا بهنّ ، ويجدون أن الزنا أخف وطأة من حيث الأثم عن الإيثار للنفس بالأموال .

من هنا كان دور القرآن جلياً وواضحاً ونبراساً للهدى ، وذلك حين وجد استعلاءً وتجبراً واستفحالاً للباطل من المتجبرين على المستضعفين في الأرض من اليتامى .

جاء دور القرآن الكريم في هذه الآية لتنظيم وتحديد العلاقة بين الولي والأمه اليتيمة لكي يتم توضيح مدى قدسية أموال اليتامى وإقرار الإقساط ، وبيان أن شأن المتخوّف والمُتنسّك أن يهجر كل الآثام. 

كما جاء القرآن الكريم مُحدداً ومحجماً لعدد الزوجات من النساء بأربع فقط أو ما ملكت أيمانهم حتى يتم التفرقة بين الزواج  المحدد العدد والتسرّي بمِلك الأيمان ، وهو ما لم يكن معمولاً به من قبل .

إن الآية جاءت توضيحاً لمنهاج الحياة القويم حتى يتم إقرار القسط والعدل وسدّ ذريعة التغوّل أو العول والظلم. 

ويجدر القول أخيراً أن ذكر القرآن الكريم للتعدد في تلك الآية لم يكن مبسوطاً كل البسط أو متاحاً للجميع من الرجال، بل إنه تم تحجيمه وإحكامه بشروط وأسباب وعلل .

من أهم تلك الشروط هو : العدل . وذلك حتى لا يتم العول في العلاقات الإنسانية والتجبر في المناحي الإجتماعية .وهذا من أجل إقامة قسطاس من الميزان العادل المستقيم بين كفتيّه بلا إفراط أو تفريط . 

من هنا فإننا لا نستطيع أن نفهم الآية السالفة الذكر بدون الإشارة إلى الآية الملازمة والمكمّلة لها في نفس سياقها ، وهي الآية ١٢٩ من سورة النساء التي تنص على : 

" ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم " .

من هنا نجد إن العدل واحد ، وأن التعدد جائزاً ومجازاً .

بقلم دكتورة / فاتن ناظر