《 وبرّاً بوالديه ولم يكن جبّاراً عصيّاً》
《 وبرّاً بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيّاً》

إن هاتين الآيتين وردتا في سورة مريم بالآية الرابعة عشر والآية الثانية والثلاثون من نفس السورة .
تحملا هاتان الآيتين العديد من صور البلاغة القرآنية والفصاحة اللغوية التي تؤكد وتدعم إعجاز القرآن ، بأنه ما هو بقول بشر ، وإنما هو من لدُن عليم حكيم .

* الحديث عن يحيى عليه السلام

لقد جاءت الآية الأولى محدثاً فيها الله عزّ وجلّ عن نبيّه يحيى عليه السلام ، لذلك ذكر فيها الله أن يحيى كان برّاً وليس عاقاً بوالديّه . إن كلمة برّاً كما جاء في تفسير الميزان في تفسير القرآن للطباطبائي هو المحسن والكريم والعطوف المتفاني في عطائه وواجباته ، خاصة وأن والديّه قد أنجباه في مرحلة الشيبة والكِبر ، لذا فهم في حاجة ماسّة إلى الرعاية والإهتمام والعطف المُقدم لهم وليس منهم ، كما هو متبع والمفروض عليهم إذا كان الإنجاب تمّ في مرحلة الشباب ، لذا فإن يحيى عليه السلام عليه واجبات ومسئوليات وليس له حقوق على والديّه ، لذا ذكر الله عنه أنه لم يكن جبّاراً .
إن صفة الجبّار عندما تنسب للبشر فإنها تعني الفرد الذي لا يعترف لأحد عليه بأي . لهذا ذكر الله أن يحيى كان عالماً بكافة الحقوق والواجبات التي ألزمه الله إياها تجاه والديّه وتجاه قومه المبعوث إليهم مُبشراً ونذيراً .
أما صفة العصيان التي نفاها الله عن نبيّه يحيى ، فقد جاء بها في صيغة المبالغة وذكرها بصفة مشابهة وهي "عصيّاً" ، وذلك حتى تتماشى مع صفة الجبرية والجبروت التي أتى بها الله بصيغة المبالغة بلفظ : " جبّاراً" .
وقد جاء الله بلفظ عصيّاً وليس شقيّاً عند ذكره ليحيى ، لأن العصيان هو فعل عادة فردية نابع من الإنسان نفسه ونتيجة لقرار شخصي يتخذه الإنسان للتمرد والجحود وعدم الإنصياع لصوت العقل والبعد عن حثّ القلب على إتّباع الفضيلة وعدم الإنقياد إلا إلى إتّباع هوى النفس بأمرها بالسوء ومعصية الله في أوامره ونواهيه .
وبما أن السرد القرآني كان خطاباً من الله عن يحيى، وقد كان ذلك الخطاب بعد استشهاده عليه السلام . لذلك فقد أتى بلفظ " لم يكن " للدلالة على الحياة التي كان يحياها يحيى قبل استشهاده ؛ أي أنها حياة منقضية ماضية .

* الحديث عن عيسى عليه السلام

لقد ورد ذكر عيسى عليه السلام في الآية الثانية، إلا أن الحديث عن عيسى جاء مغايراً ومتبايناً بالمقارنة بالحديث عن يحيى، لأن السرد القرآني في يحيى عليه السلام كان الخطاب فيه من الله عن يحيى . أما عيسى فقد كان الإخبار فيه من عيسى عن نفسه عندما أشارت إليه أُمه وهو في المهد صبياً . لذا فقد جاء عيسى بالحديث أنه كان برّاً ومحسناً ووفياً لفضل أُمه ومُقِراً لعفتها وبتولتها ، نافياً عنها أياً من الإتهامات التي وجّهت لها من قومها ، وذلك من خلال حديثه عن نفسه بأنه برّاً بوالدته غير جبار في الأرض، بل إنه عارفاً بكافة الحقوق والمسئوليات التي أُلقيت على عاتقه بمجرد حمل لواء تلك الرسالة الربّانية المبعوث بها إلى بني إسرائيل، وأنه ملتزم أمام الله أولاً وأمام نفسه وقومه ألا يكون به أي صفة أو صِبغة من الجبروت والتجبر أثناء نشر تلك الدعوة المستقبلية التي سوف يُكلف بها .
إن ذلك النفي جاء متوازياً مع تأكيد عيسى عليه السلام من خلال نفيه عن نفسه صفة الجبروت ، لأن الله لم يجعله كذلك ، فقد جاء عيسى بلفظ " لم يجعلني" ولم يقل " لم يكن" كما جاء عند ذكر يحيى .
إن حديث عيسى عن نفسه حديثاً مستقبليّاً تعبيراً عن حياة قادمة واردة ، ولم تكن حياة منصرمة ماضية كيفما كان الحال بالنسبة ليحيى.
إن الإختلاف بين كلمتي " شقيّاً " عند ذكر عيسى ، وبين " عصيّاً " عند ذكر يحيى ، فقد ذكر عيسى أن الله لم يجعله شقيّاً في الدنيا ، والشقاء يعني التعرض للتعب والمشقة والمِحَن وهو عكس السعادة . كما أن الشقاء والسعادة بيد الله يمنحهما لمن يشاء من عباده الصالحين وأنبياءه المكلفين . فلم يرض الله أن يُعرض احداً من أنبياءه للشقاء أثناء نشره دعوته ، خاصة وأن عيسى هو كلمة الله على أرضه، وأنه كان براً لوالدته ومُحسناً إليها ولم يجعلها تشقى بوجوده بجوارها ، لذا جاء ذكر عيسى عن ربه أنه لم يجعله شقيّاً ، وذلك على سبيل التأدب مع الله ، لأنها صفة ممنوحة من الرب للفرد ، ولم تكن صفة فردية شخصية نابعة من الفرد ، كما جاء فى لفظ "عصياً" .
فاللهم إجعلنا ممن يَصدُق فيهم عند دعائهم إياك قول زكريا عليه السلام :
《 ولم أكُن بدعائِك ربِ شقيّاً 》

بقلم / دكتورة فاتن ناظر