《 إن هذان لساحران 》الآية ٦٣ من سورة طه

لقد وُجّهت إلى تلك الآية الكثير من الأيادي الطاعنة والمتشككة في صحة صياغتها ، وذلك عن جهل وعدم فهم أو إدراك لقواعد اللغة أو البنية النحوية للجملة .
لقد وُجّهت يد التشكيك إلى تلك الآية إدعاءً أن صحيح الصياغة لابد وأن يكون " إن هذين لساحران " ، وذلك لأن "إن" طبقاً لقواعد اللغة ناسخة ، لذا فإنها تنصب المبتدأ ويسمى اسمها وترفع الخير ويسمى خبرها . وبما أن الجملة جاء بها (هذان )، وهذان تلك مرفوعة ، إذن فإن الجملة يشملها الخطأ والعيب طبقاً لزعمهم وإدعائهم .
إن الردّ على هؤلاء المتشككين ومدعيّ الفهم يكون من خلال التوضيح أن تلك الآية جاءت على قرائتين ، لذا يشتمل الردّ على ناحيتين .

* الناحية الأولى :
                       قراءة "إن°" ساكنة

وهذه القراءة قد قرأها حفص عن عاصم وأيضاً قرأها بن كثير ، وهذا إستناداً إلى قول بن عاشور في كتابه التحوير والتنوير .

وتشتمل تلك الناحية على عدة أوجّه ألا وهم :

- الوجه الأول :
لقد جاء حرف "إن" مخففاً وليس ثقيلاً أو مشدّداً ، وبما أنه جاء مخففاً فأصبحت " إن" لا عمل لها من حيث نصب المبتدأ وتسميته اسمها أو رفع الخبر وتسميته خبرها ؛ أي أن "إن" جاءت مهملة موقوفة التأثير والأثر فألغيت من العمل ، وهذا استناداً إلى الطبطبائي في تفسيره الميزان في تفسير القرآن .

- الوجه الثاني :
لقد جاءت "إن" في تلك الآية بمعنى (نعم) . وهذا القول قد سماه أغلب النحويين وعلى رأسهم : علي بن عيسى وأيضاً بن عقيل ، وذلك إستناداً كما جاء من كتب السيرة والتراجم أن رجلاً قال لابن الزبير : لعن الله ناقة حملتني إليك ، لأنه جاء إليه طالباً حاجة ، فأجابه بن الزبير : إن وراكبها ؛ أي (نعم وراكبها أيضاً) . وهنا نلاحظ توقف عمل "إن" عن نصب مبتدأها.

- الوجه الثالث :
لقد جاءت "إن" في تلك الآية( نافية ) بمعنى " ما " ، وبما أنها جاءت نافية فقد أصبح إعرابها صحيح من حيث رفع اسم الإشارة "هذان" ، وذلك إستناداً إلى ما جاء بالقرآن الكريم من حيث عمل "إن" بمعنى ( ما ) النافية :
《 الذين يُظاهرون منكم من نسائِهم ما هُن أُمهاتهم إن أُمهاتهم إلا اللائي ولدّنهم 》 .
إن هذا المعنى كما جاء في تفسير الإمام الشعراوي : "ما أمهاتهم إلا اللائي ولدّنهم " . وكذلك الحال في قوله 《 إن هذان لساحران 》؛ فالمعنى : " ما هذان إلا ساحران " ، فتكون اللام في "لساحران" بمعنى إلا ، فيصبح المعنى : ما هذان إلا ساحران .

* الناحية الثانية :
                        قراءة " إنَّ " بالتشديد

وهذه القراءة قد قرأ بها أبو عمرو وعثمان بن عفان وعورة بن الزبير عن عائشة .
لقد قال بن كثير في تفسيره لتلك الآية: " إن هذه لغة لبعض العرب جاءت هذه القراءة على إعرابها .
ويقول بن عقيل - من كبار النحويين - في شرحه للألفية :

" ومن العرب من يجعل المثنى والملحق به بالألف مطلقاً : رفعاً ونصباً وجراً أياً كان موقعه من الجملة " . مثل قولهم : مررتُ بالزيدان، والأصل أن تكون الجملة : مررتُ بالزيدين ، لأن الباء حرف جرّ تكسر من جاء بعدها وتجعله مجروراً بها .
ويقول الإمام الشعراوي في خواطره الإيمانية : " إن هذه هي لغة كنانة إحدى قبائل العرب ، وقد كانت ترفع المثنى دائماً . ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة القُرَشَيَة ، لأن لغات العرب كانت تَصُبّ جميعها في لغة قُرَيش في مواسم الحج والعمرة والشعر والتجارة وغيرها ، فكانت لغة قُرَيش هي السائدة بين لغات كل هذه القبائل ، لذلك نزل بها القرآن ، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون للقبائل الأخرى نصيباً، فجاءت بعض ألفاظ القرآن على لهجات العرب المختلفة للدلالة على أن القرآن ليس لقُرَيش وحدها بل جاء للجميع. وذلك إستناداً إلى كتب النحو لقول شاعرهم :

" واهاً لِسَلمىَ...... وموضع الخُلخال من قدماها وإن أباها وأبا أباها ، ولاحظ هنا أنه لم يقل أبيها ، وذلك للدلالة على لهجتهم برفع المثنى دائماً في لغتهم الكنانيّة  " .

وهكذا . نجد أن الآية الكريمة التي نحن بصددها ، إن هي قُرأت على السكون أو التشديد، فإن المعنى والمقصود واحد لا يتغير . إلا أن ذلك ما هو إلا عمل متنطّعون ومدّعوا فَهم ، فما هم إلا جماعة من الرُوَيَبضة التي تتحدث عن غير وعي أو إدراك أو تدّبر ، زاعمين أن القرآن به من العيب والنقص والزلل ما يمكّنهم من الزجّ به في براثن الشك لدى ضِعاف النفس والإيمان والعقيدة ، ولكن هيهات هيهات من النَيل به دائماً وأبداً ، فإن الذي أنزله لقادر علي حفظه وقرآنه كما أقسم بذلك في كتابه ، وكما قال أيضاً في :
《 أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه إختلافاً كثيراً 》 . الآية ٨٢ سورة النساء

بقلم / دكتورة فاتن ناظر