يقول امرئ القيس في معلقته المشهورة: -

قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزلي

بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

وأي حبيب نقف ونبكِ على ذكراه مثل الأندلس وحضارتنا التي لا تزال شاهدة عيان على أمة كانت كالمصباح المضئ في منطقة حالكة الظلام، كأن حالنا حال أبو عبدالله الصغير أخر ملوك غرناطة نترك ما كنا به أعزاء كرماء على مدى ثمان قرون ونصبح بعدها أذلاء.

المشهد الافتتاحي.

يدخل طارق بن زياد وموسى بن نصير براية التوحيد ثم ما لبثت الأندلس أن أصبحت ذات شأن تحت حكم الإسلام بعد ما كان شأنها شأن الجاهلية من صراعات عرقية وسياسية وفساد أخلاقي، وبالإسلام ولغته ورجاله جعلوا منها منارة الحضارة في أوروبا من حيث رقي المجتمع في أخلاقه وتعايشه وعلمه وأدبه وشعره.

المشهد الختامي.

قال الشاعر أبو محمد الفزازي حين سقطت إشبيلية وقرطبة: -

الرُّومُ تَضْرِبُ في البِلاَدِ وَتَغْنَمُ. وَالجُورُ يَأْخُذُ مَا بَقَى وَالمَغْرَمُ

وَالمَـــالُ يـُورَدُ كُـلُّـهُ قِـشْتَـالَــةً. وَالجُــنْدُ تَسْـقُطُ وَالرَّعِيـَّةُ تَسْلَمُ

وَذَوُوا التَعَيـُّنِ لَيْسَ فِيهِم مُسْلِمٌ. إِلاَّ مُعِـــينٌ في الفَسَــادِ مُسَــلِّـمُ

أَسَــفِي عَلَى تِلْكَ البِلاَدِ وَأَهْلِهَا. اللهُ يَلــطُفُ بِالجَمِــيعِ وَيَرْحَــمُ

تفرقت دماء المسلمين حينها بين مملكتي قشتالة وأرجون (أسبانيا حاليا) بعد معاهدة تسليم غرناطة كأن التاريخ يعود بنا إلى بدء الدعوة الإسلامية حين نكل الكفار بالذين آمنوا بالدين الجديد نكل الأسبان بالذين آمنوا بالإسلام في الأندلس حيث محاكم التفتيش الذي لم ينجو منها أحدًا إما التمسك بالإسلام والإعدام أو الردة عنه والدخول في النصرانية "الكاثوليكية" تحديدا.

بين هذين المشهدين حضارة تتنعم أسبانيا في خيراتها حتى الآن ولكنها لم تحسب حسبان أن تلك الديار تحط منها لأنها أطفأت نورها وعاد الظلام مرة أخرى ومنع العلم وانتشار الجهل وهكذا كان حال أسبانيا بعد خروج المسلمين من الأندلس، ومع بدء الاستكشافات الجغرافية وهو مسمى وظيفي وما كانت إلا حركة لاحتلال ونهب ثروات البلاد والعباد في بقاع الأرض سواء العالم الإسلامي أو العالم الجديد.

ثمان قرون عاشت فيها الأندلس والبقاع المجاروة لها أزهى عصور الحضارة في أوروبا في ذلك الوقت دون الحاجة لإرغام أو تضييق لفعل ذلك بل كان النسيج الاجتماعي يوضح حقيقة الإسلام نفسه لا حضارته وحدها بتعايش المسلم والنصراني واليهودي في سلام تام.

وللغة العربية نصيب في الإرث التاريخي في أسبانيا ببقاء أكثر من ثمانية آلاف كلمة بين أصل عربي وتحريف بسيط لتناسب اللسان الأعجمي، هذا غير قصر الحمراء الذي يسر الناظرين بزخارفه المختلفة والأشكال الهندسية والنباتية وتصميماته وهذا بجانب بناء مدينة مجريط وجاءت من المجرى وحرفت إلى مدريد وقرطبة ومسجدها الذي تحول إلى كاتدرائية ولكن تبقى أثر يد المسلم فيها شاهدا على الابداع والتميز الذي حافظ عليه هؤلاء وغيرها الكثير والكثير من الآثار الباقية لتشهد لعصر ذهبي للإسلام والمسلمين.

ومن الأندلس كنا على بعد خطوات من باريس لولا معركة بلاط الشهداء ولكن آثار أيدي المسلمين بقية وخاصةً الآية الكريمة التي اتخذها بني الأحمر آخر الأسر الحاكمة للاندلس شعار لهم "لا غالب إلا الله" وكأن الهزيمة في مكان إعلان للبحث في مكان آخر فكان فتح القسطنطينية بعدها بواحد وستين سنة لأن الأرض لله يورثها لمن يشاء والمسلم في جهاد دائما لو كان يعيش في استضعاف فيجاهد نفسه حتى لا يعصي الله ولو في زمن قوة يجاهد لإعلاء كلمة الله.