في تلك الفوضى والاختلافات التي نعيشها الآن نحتاج إلى التذكير والتنبيه للبدهيات، وهذا من منطلق فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين. فهذا زمن صعب على المرء أن يؤكد البدهيات كما قال تميم البرغوثي.

يقول النبي "من كانت الآخرة همّه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدّنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدّر له".

لا تبوح بمشاعرك إلا لله ومن تثق بهم من أهل الدنيا بأنهم سيفهمونك، غير ذلك فالمشاعر كالدم إذا استنزفت كلها هلك الإنسان بل لا بدّ أن تفرغ بعضها لأن الحمولة الزائدة تضعف صاحبها. وهذا لأننا في زمن أصبح الكل يريد الكلام مع أي أحد وهذا يجعلك كالسيارة التي تسير بلا مكابح.

"متى سيشفق الليل على قلوبنا المكلومة؟ ويتوقف سئل الدمع الذي يرهق الجسد ويكويه! ألا لعنة على الألم"، أما أنا فأقول لا يليق بمؤمن أن يكتب هذا وهو يعلم علم اليقين بأن الدنيا دار ابتلاء وأن الألم جزء منها؛ فينزل معه اللطف فنفرح أو ينزل الصبر فنتحمل ونعبر بالألم إلى بر الأمان حيث السلام والطمأنينة وكيف لا وربنا هو السلام ومنه السلام.

أحسن الناس من فك كفيه وكف فكيه، حسن أن يرخي يده بالصدقة ومساعدة المحتاجين وأن تكف لسان عن الكلام السلبي والمؤذي وعن الغبية والنميمة والسباب والشتائم والشماتة، وهذا نحتاجه في زمن لم يعد أحد يريد غير الكلام ولا يريد الإصغاء.

أصبحنا نأخذ الابتلاءات والمصائب بالمزاح والضحك وعدم الإحساس بالمسئولية، وهذا من قسوة القلب وذلك نذير شؤم علينا، ويقولون كيف نخشع في الصلاة أو كيف نتدبر القرآن، أي صلاة وقرآن هذا، يقول الله عز وجل فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرّعوا ولٰكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشّيطان ما كانوا يعملون، فخذوا حذركم وخذوا الأمور على ما هي عليه فكلما خاف الإنسان كلما خشع قلبه ورق.

‏"إننا نميل إلى رؤية حيوات الناس أعمالا فنية. وما دمنا ننظر إليها على هذا النحو، فإننا نصارع من أجل تقليدها؛ فكل واحد يحاول أن يجعل حياته قطعة فنية"، القول لزيجمونت باومان؛ لذلك كن نفسك واجعل حياتك كيف تحب.

عليك أن تعطي ولا تنتظر المقابل، فكلما أعطيت كلما طهرت نفسك من الأنانية والحقد والحسد والبخل سواء كان عطائك مادي أو عاطفي، يقول العلماء أن أعظم لذات الدنيا هي ذكر الله وأقول أن ثانيها هو العطاء حيث تتخلى عن نفسك التي تأمرك بالسوء وتكتسب نفسك المطمئنة، والعطاء يجعلك ترتفع إلى درجة الملائكة والأخذ يجعلك تنزل إلى درجة الشيطان حيث السيطرة على كل شيء حتى ولو ما يكن يناسبك.

على المرء أن يبتعد قليلا عن صخب الحياة، وعن الكلام مع الناس وأن يكف عن أي مجهود مجتمعي، حتى يتزن وتعود إليه قواه، وهذه بدهيه نغفل عنها لأن من وهب نفسه للناس دون راحة أرهقته، وهذه سنة النبي أن كان قبل البعثة يخلو بربه في غار حراء وبعد البعثة كان يخلو بربه في قيام الليل، وفي الحديث الصحيح "ثلث لطعامك وثلث لشرابك وثلث لنفسك" وفي قراءة لنفسك، فابتعدوا لاسترجاع بعض من قواكم لمواجهة الحياة.

وضع الله حدود صارمة للحفاظ على المرأة ومع ذلك تأبى بعضهن وتعتبره جبلا ثقيلا عليها، لذا لنذكر أنه تعالى حرم الله الزنا للحفاظ على شرفها وجعل الله كل جسدها وجوارحها عورة للحفاظ على حيائها ووضع ضوابط عند تغيراتها الفسيولوجية كي لا يؤذيها أحدا ووضع الله حدود في التعامل مع الرجال كي تؤذي قلبها وتجعل مشاعرها فقط لمحارمها وضبط مشيتها وصوتها وبل أمرها بغض الطرف وعدم التساهل للحفاظ على عفتها؛ فإن كانت الجنة سلعة الله الغالية في سمائه. فالمرأة هي سلعته الغالية في أرضه.

الرجال عليهم بغض البصر والنساء أيضا، الرجال عليهم بالتزام الحدود والنساء أيضا، الرجال عليهم بأن يكونوا رجالا والنساء عليهم بأن يكونوا نساءا، عليكم بالعودة إلى أنفسكم لا تتشبهوا بالنقيض؛ فما اختلت موازين المجتمع إلا بالبحث عن النفس في منظر مناف لفطرتك.

حظ الشيطان في جسم الإنسان هو الحزن، لذلك يجعلك الله تأتي إليه خمسة مرات ليغسله لك، فكلما حزنت اذهب له ولا تذهب لأي وجهة أخرى، فوالله ما رأيت مثبط للطاعة ومنشط للمعصية إلا الحزن، فلا تحزنوا وتذكروا أن الأمر كله بيد الله.

نحن في زمن. كي تعود فيه إنسانا عاديا لا بدّ أن تجاهد في صنع حياة غير ملفتة للنظر وأن يكون عندك قوة تحمل للسخرية وأن تجهز ردود الفعل مسبقا وأن تصمت قدر الإمكان؛ يا صديقي أصبح المبالغ فيه هو القاعدة والعادي هو الاستثناء. فعليك بالتزام العزلة قد الاستطاعة.

أنت عمرك محدود وعقلك محدود وبك من النقائص ما بك وسيحاسبك الله على ما فعلت، فلا ترهق نفسك بالتفكير فيما مضى ولا تفرط في الظن حسنا كان سوءا في الناس، وإذا فعلت الطاعة اشكر الله على أنه أعانك وإذا فعلت معصية اطلب من الله العفو؛ ولا تفكر هل سامحك أو لا فأفعالك هي من ستجاوب عليك، ولا تفعل ما يضيق صدرك بفعله.

عليك بالتسامح، فلا يليق بمسلم تعاليم دينه تأمره بالسماح والعفو ولا يسامح ويعفو، وأرى أن عدم العفو والتسامح هو الناس تأثر فيك والله عز وجل يقول "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل اللّه ۚ إن يتّبعون إلّا الظّنّ وإن هم إلّا يخرصون"، ويقول النبي ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" أي أن ارحموا الناس بالعفو عنهم والدعاء لهم وأن لا تلتفت لأي آذى منهم وعاملهم بالمعروف والكلمة الطيبة مهما لقيت منهم السوء؛ لأنك تعامل الله لا الناس.