النداء الأخير لسفينة بر الأمان

الدنيا الآن على صفيح ساخن تجد بؤر الفساد فيها تتسع وبؤر النور تكاد تنطفئ والناس في غفلة من أمرهم هذا لا يدرك مدى خطورة الانغماس في الواقع دون أخذ درع واقي لعدم دخول حيز الفساد سواء بفعله أو نشره، ولأننا محدودي القدرة لا بدّ لنا من قوة تجعلنا نعيد ترتيب المجتمع.

والله عز وجل أعطى لنا وسائل صناعة الدورع الواقية من الدنيا حماية لنا ولمجتمعنا ومن قبلنا الدين وكلما تركنا الدورع زادت احتمالية حدوث خلل في المجتمع يبدأ من النفس ثم يستشري ببطء في جسد الجميع وهذا طبيعي لأننا كلما اقتربنا من القيامة زاد فساد الناس ولكن مادمنا مسلمين نحيا على الأرض مازال التكليف الإلهي موجود ولم يرتفع.

وإن أحد هذه البؤر هي الجهل وعدم معرفة الأسباب أو الأحكام، تجد في اليابان وسنغافورة وغيرها من الدول التي تقدمت بفعل الثروة البشرية كلما جهلوا شيء قرأه عنه وعرفه وأدخله في خططهم للنهوض، ونحن نترك هذه الميزة عندنا. وكلما زادت احتمالية فساد في أمر ما اعلم أن هناك جهلا عظيم بهذا الأمر.

ومن هذه الوسائل وسيلة على قدر أهميتها وقيمتها إلا أننا نتركها من أجل الهوس بكل موضة جديدة في مجالات الحياة المختلفة ولا ندركها إلا متأخرًا والمبصر هو من يدركها مبكرًا حتى ينجو، وهي القراءة وهي ليست هواية أو مجرد شيء مسلي بل هي ضرورة حيوية مثلها مثل أي عملية حيوية للبدن.

حان الآن وقت القراءة لا أقول لك أن القراءة هي أول أمر إلهي وهذا الكلام وهذا لأنها مقرونة باسم الله فلا بدّ أن تكون في إطار منفعة عامة يقوم بفعلها أنت وغيرك، لقد تشبع المجتمع بالغث السمين من الأفكار والمعتقدات الباطلة والفاسدة المفسدة ولا بدّ أن يحل محلها شيء نافع جاد ولا سبيل لهذا إلا القراءة والتعلم والتعليم.

أنا لا أريد أن أقول نصائح عن كيفية القراءة بقدر التوصية بها لأننا في عصر شيوع المعلومات ولكن عندنا كهولة نفسية تجعلنا نستثقل أي شيء يجعلنا نصلح ذواتنا ومن ثم نصلح المجتمع وإن لم نستطيع التدرك على الأقل في هذه الأيام الذي منحنا الله الفرصة للجلوس في المنازل وإعادة النظر في كل كبيرة وصغيرة في حياتنا خصوصًا نعمة المكتبات فلن نستطيع التدرك مستقبلًا.

لا بدّ أن نقرأ لن أقول أي مجال فقط ابدأ الآن بأي كتاب وبأي صفحة وفي أي وقت يكون عندك عزيمة قوية لتستيقظ من سبات وسائل التواصل الاجتماعي والفوضى المعلوماتية والأحداث الجارية، فالتنور قد يفور في أي وقت وإذا جاء الطوفان ستغرق لا محالة ولن يعصمك من حقيقة أنك غارق في الغفلة شيء ولا حتى جبل الملذات التي تغرق فيها.

أحوال الدنيا تنسيك نفسك وهذه هي الغفلة بعينها، فإذا لم تقرأ وتتعلم قبل الزواج لن تقرأ وتتعلم بعد الزواج وإذا لم تقرأ وتتعلم قبل العمل لن تستطيع توزان بين القراءة والتعلم أثناء العمل وإذا لم تقرأ قبل أن يأتي لك ذرية صالحة لن تستطيع إضافة القراءة إلى اهتماماتك وإن سويت جميع أمورك وقررت القراءة سيكون العجز والهرم في انتظارك، والقراءة تريد زمن طويل من الأيام والليالي وليس أوقات فراغ معدودة وصحة وعافية حتى تستطيع فعل ما تقرأه.

يقول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم "اغتنم شبابك قبل هرمك" والله لصحة والوقت لهما رأس المال الحقيقي للبشر وإن لم تنتفع بهما ستكون مغبون والمغبون هو من يخسر الثمين بشرائه بضاعة مزجاة في الدنيا لن تفيدك في الآخرة؛ فاقرأ ولو صفحة واحدة يوميا واركب سفينة النجاة ومع الوقت ستصل إلى بر الأمان.

ودعك من طول الطريق مع الوقت ستشعر بأنك تريد المزيد وهذا يلزمه ابتعاد عن الواقع وعن مجرياته بعض من الوقت وإن لم تستطع فحاول أن لك خلوتين خلوة مع الله وخلوة مع نفسك تزيل عنها بعض من الجهل ومن ثم تنفع المؤمنين بما تعلمته.