في رثاء أمي

اليوم كانت أول زيارة لي لقبر أمي رحمها الله وغفر الله لها بعد أسبوع من وفاتها وأنشأت أقول:-

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أمي، كيف حالك وحال الأحباب ممن سبقونا إلى دار الحق سبحانه وتعالى؟ لعلكم في نعيم مقيم وراحة من نصب الدنيا إن شاء الله تعالى وظني بالله جميل فإنه رحمن رحيم يقبل القليل ويعفو عن كثير."

"أتعلمين يا أمي أن الوقفة أمام القبر لأول مرة مؤلمة جدا، أن ترين إنساناً تحبه قد دفن في التراب وآخر فوق التراب يدعو له إلى أن يحن دوره في دفنه وهكذا نحن حتى تقوم الساعة؛ هذه سنة الحياة ولا يحيد أحدنا عنها ولا مهرب منها، أن ترى اسم الإنسان الذي تحبه مكتوباً على شاهد قبر بعدما كنت تراه وجها لوجه وتلمس يداه وترى ضحكه وحزنه وقلقه وتعبه ومزاحه شعور يقتلع القلب من الصدر."

"أتعلمين يا أمي، أن الناس تظن أنني مصاب باللامبالاة لأنني أمزح وأضحك معهم بعد أن فقدتك، وهذا غير صحيح فهذا هو اللطف الرباني الذي ينزل مع المصيبة حتى تهون.. كيف لا وأنتِ أمي، وهذا لأنهم لا يعلمون أنني عند فقد عزيز أتحول لشخص سيء لا أريد أن يرونه حتى لا أفقد حبهم ليس طماعا فيه بل الزهد في حب الناس أقرب إليّ من الطمع بعد أن جاء الموت لكِ ولكنهم ابتلاء الإنسان فلا بدّ أن أختار منهم الصحبة الصالحة وهؤلاء هم من أخاف فقدان كلماتهم الطيبة وحبهم لي."

"أتذكر أخر أسبوع في حياتي معك، كنت مريضاً يخاف الجميع أن ينتقل إليه العدوى إلا أمي كانت تفسح مجالا لي على سريرها حتى أمد جسمي عليه وأرى في أعينها نظرات الشفقة والرحمة عليّ، ثم تسألني كل بضع لحظات عن صحتي، أقول لها أتحسن مخافة أن أزيد عليها حزنها ومرضها فأصبر وأحتسب لي ولها."

"أتذكر وجهها البشوش وابتسامتها الرائعة ونفسها الطيبة التي كانت كذلك وبشهادة من عرفها الحمدلله، لم تبخل عليّ بشيء معها حتى ولو قطعة حلوى صغيرة، إن أول ما أفقده هو دعائها الذي كان بمثابة مفتاح التيسير الرباني في يومي، وأن ثاني الأمور هو مجالستها إياي وتحكي لي تفاصيل يومها المرهق والمتعب لكنها تختم كلامها بالحمدلله رب العالمين."

كثيرة هى التفاصيل والأمور التي أشتاق لها بمشاركة أمي؛ لكنها ذهبت إلى مصيرها المحتوم الذي حتما سوف نلقاه عندما يحن أجلنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اللهم اغفر لأمي وارحمها واعف عنها وعن موتى المسلمين واكرم نزلها واصرف عنها عذاب القبر ووسع قبرها واجعله روضة من رياض الجنة واجعلها من أهل الجنة في الآخرة وأرجو أن تكون ممن كانوا يعمرون قبورهم وإنا لله وإنا إليه راجعون.