كل منا في حاجة للحب أكثر من أي وقت مضى ليس للمادية الطاغية على كل جوانب الحياة الدنيا ولكن لأن الإنسان كائن حي مركب فيه من حس وشعور الذي إذا فقدهم فقد ماهيته وإذا وجدهم كان أغنى القلوب من الود والإحسان، ولهذا كان لا بدّ من مصابيح الحب أن تضيء دروب الحياة الإنسانية.

تلك الشعور الفطري يجعلك مهما رأيت من سوء الأخلاق والظن تحن إليه في كل مرة تتعرض للخذلان ليس لأنك أقوى من أي صدمة في الناس ولكنك تتكأ على ركن شديد في نفسك وعلى من زرع فيك ذاك الشعور الجميل الذي يكون بمثابة منظار لما فيك من أخلاق عالية يحبها الناس لا فيه تراه من الناس وكما يقال "من عرف نفسه عرف ربه".

الحب هنا بمعناه الواسع الذي يشمل كل ما يجعل الإنسان إنسانًا ليس مجرد فرد مثير للشفقة كلمة طيبة تجعله في السماء وكلمة جارحه تجعله لو يتمنى أنه لم يولد بعد، ذاك الحب هو البذل رغم الحرمان والعفو رغم الظلم وأن تجبر الخاطر رغم الكسر وأن ترى الجمال في القبح.

الحب صفة كريمة لا ينالها إلا الكرام، واللئيم لا يحب قط مهما ظهر منه من أفعال قد تظنها من الحب ولكنها استدراج حتى يعرف من أين تؤكل الكتف، ولهذا كان الحب وصفا للمؤمنين {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} والمؤمنين لا بدّ أن تكون صفاته وأخلاقه تبعا لحبه وليس العكس.

ومن أحبك بذل لك النفيس بلا مقابل لأن القلوب والناس كما يقولون على أشكالها تقع، أما من يراك تنازع ولا يحرك ساكنا فهذا لا تبذل من أجله الرخيص لأنه لا يستحق، فالأفعال كاشفة لما في القلوب وذلك لأن جميل الحب في البذل ولا يكون في انتظار صدقة الكلمة الطيبة.

هناك من يعتبرون حب النفس أنانية وهذا غير صحيح بالمرة لأنه لا يستوي كره النفس وحب الناس، فإذا لم تستطع حب نفسك فلن تحب غيرك، وذاك لأن الإنسان فيه من العيوب والطبائع التي إذ لم يتقبلها هو أولًا لن يقبلها أحد، كأن حب النفس دواء لما تكرهه في نفسك وعلى الناس احترام وتقدير ذلك.

ومن أركان الإيمان حديث النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" فهذا غاية الحب أن يستوي عند المؤمن حب الذات وحب الغير وحب التضحية والفداء من أجل أخيه المسلم وإن كان ليس لديهم نفس صلة الدم وإن صلة العقيدة أوثق وأشد الصلات.

ختاما الحب جميل ومن رأى بحبه صار رحيما وما أحوجنا إلى الرحمة في زمن كثر في الهرج وأصبح الأمر يتخطى حاجز الضغينة إلى درجة أذى الخلق وهنا يجب أن نذكر أن لا قانون يردع تلك المشاعر وحده الحب هو القادر على أن يردع تلك المشاعر الشيطانية في نفس الإنسان.