لقد كان القرآن ومازال حبل الله المتين من استمسك به تقوى ومن تركه ضعف ويوشك على الهلاك، ومن أراد أن يتمسك به عليه أن يفقهه ويتدبره ويستمع إليه ويتلوه حق تلاوته؛ لهذا القرآن يريد تخليه جوارح الإنسان فضلا عن تخلية قلبه حتى ينهال بعض من نوره وهداه

ومع الذي يحدث في الدنيا للإنسان المسلم من متغيرات مادية (حضارية) ونفسية واجتماعية تشوش رؤيته للقرآن الكريم سواء كان فكرية أو روحانية ومن ثم يصبح عنده قصور في فهمه وحفظه وحتى قرأته والاستماع إليه، لأن تخلية القلب والجوارح تحتاج إلى مجاهدة عظيمة حتى يتلذذ صاحبها بالقرآن.

إن منهجية القرآن الكريم منهجية صادرة عن من يعلم السر وأخفى ويقول الله عزّ وجل "ذلك الكتاب لا ريب فيه" ولذلك هى منهجية صحيحة بل وسليمة أيضًا، لكن يكمن القصور في العقلية التي تتعامل مع تلك المنهجية حيث أنها محدودة بطبعها وإنها غير مدركة لكل الأشياء.

وهذا القصور العقلي سواء في الجانب الخلقي أو الفكري الناتج من نقص المعرفة فهو ينتج عنه كوارث سواء لنفسه أو للمجتمع... حيث لا يمكن أن يكون عنده خلل في فهم الأمور ويعود بالنفع على الناس فضلاً عن نفسه، وهذا ليس مع أمر عادي من أمور الدنيا بل مع القرآن حيث هناك من يقرأه ويضل وهناك ومن يقرأه ويهتدي.

وعدم الانتباه لهذا المرض الخطير قد تسبب في تفشي ظاهرة عدم فهم القرآن بين الناس عامة والشباب خاصةً، على سبيل المثال بعد وفاة ابن عمي بأسبوع كتبت "إنا لله وإنا إليه راجعون" فدخل لي أحد جيراني على صفحتي بالفيسبوك وقال "هل مات أحد أخر؟ قلت له لا"، وهذه من أبرز الأمثلة عدم فهم القرآن حيث حصر هذه الآية الكريمة في زواية الموت فقط رغم لو أخذنا الآية بظاهرها معها الكثير من أنواع المصائب الأخرى غير الموت الذي تذكرنا بأننا ملك لله لا لأنفسنا.

وأنا هنا أتكلم عن عامة الناس لأن المتخصصين لهم أدوات أما عامة الناس وخاصة الشباب كما قلنا لا يلزمه إلا الحد الأدنى من الشيء لكن بفهم صحيح وتطبيق سليم، على سبيل المثال الذي يعمل في التجارة عليه تعلم فقه البيوع وهذا فرض عين، أما القرآن هو قانون وشريعة المسلمون مطالبين بضرورة العمل به والحد الأدنى من آياته للصلاة وخلافه.

وللفهم الصحيح والتطبيق العملي السليم لا بدّ من لغة عربية سليمة ووعي بأحداث المجتمع المسلم، حيث لا يعقل أن تكون عربي وتتكلم لهجة منه وتهمش اللغة العربية لصالح لغات أجنبية؛ لذلك أصبح هناك عجمة في لسان ويظنون أن هذه هى الثقافة بل على العكس هذا دليل تخلف وإنحدار، فيجب على الأقل أن نتقن اللغة العربية حتى نفهم القرآن وتفسيره تفسير صحيح.

وعن الوعي بما يحدث لا بدّ من تراوي في إصدار الأحكام حيث الأحداث الفردية ليست كتلة صلبة للحكم على مجتمع إلا في حالات نادرة للغاية، ومن ينشغل بزواية معينة لا يتدخل بزواية أخرى حتى يكون هناك أسلوب واضح لقياس الأمور في المجتمع.

ومع هذا كله أصبح المسلمين للأسف يتخذون القرآن قراطيس كاليهود، يخفون الكثير منه ويظهرون القليل ومن التفسيرات أن هؤلاء اليهود كانوا يأخذون ما كان يناسب هواءهم ويتركون ما يخالف هواءهم، ها نحن نفعل ذلك الآن، وهذا لا يأتي بالفساد فقط بل بالهلاك.

"قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا"، القرآن معطاء لكل ما سأله حتى لو سأله مئات المرات وكل مرة يعطيه شيء جديد ومختلف عن ذي قبل، لأن القرآن كلما نضج الإنسان نضجت معه رؤيته للقرآن ومن ثم رؤيته للعالم، وكلما كان قلبك فارغا كان أسرع في استقرار القرآن في قلبه ومن ثم يصبح أرجح الناس عقلا وأصوب الناس رأيا ومن أطيب الناس قولا وأرحم الناس قلبا؛ لأن يريد أن يخالط القرآن لحمه ودمه كما يخالط اللحم العظم.

وكي نصل إلى مرحلة الاختلاط هذه لا بدّ من التخفف من ازدحام القلب، حيث أن القرآن لا يريد شريك في القلب حتى يستطيع أن يعالجه، وكيف يعالج القرآن قلوبنا، وهى مزدحمة باللهو والاستماع للمحرمات السمعية والبصرية ومتابعة كل ما هو جديد في العالم غير انشغال القلب بالمال والعمل والأولاد والمشاحنات الدورية بينه وبين الناس، فكيف لهذا القلب أن يستقر فيه القرآن.

وهذا الازدحام يؤدي إلى تشوش الفهم الصحيح فضلاً عن بث أفكار مسمومة ومميتة حيث أن هذه الأفكار يريد بها أصحابها السيطرة عليك وأن تكون تحت سطوتهم، وهذا لا يجعلك إلا ترس في آلة تلك الأفكار لو لم تقف وتكون لك مرجعية كالقرآن؛ لأن من حارب وسلاحه القرآن كان انتصاره حتمي شريطة فهمه الصحيح وتطبيقه العلمي السليم.