عندما بدأ الإسلام في الانتشار كان هناك امبراطوريتين يتصارعان على العالم وكان لهذا الصراع تأثير على الإسلام ولكن ميل المسلمين إلى الروم لأنهم أهل ديانة سماوية ضد الفرس الذين كان مجوس يعبدون النار وعندما غلبت الروم حزن المسلمين ولكن تبشير الله لهم بانتصار الروم طمأنهم، يقول الله عز وجل "آلٓمٓ ۝ غُلِبَتِ الرُّومُ ۝ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ".

وهذا يدل أن الكفة ستميل حتمًا للمسلمين بعد ذلك في قيادة العالم من خلال الفتوحات الإسلامية وهو ما حدث بالفعل، ومع الوقت أصبح الإسلام يضيء ظلام الكون الذي أفسده انحراف الناس عن فطرتهم، وعلى الرغم من أن بلاد الإسلام تعرضت للاعتداءات والاغراءات بغرض القضاء عليه إلا أن الله قيد لهذا الدين من يحميه.

إلى أن وصلنا إلى ما نعيشه الآن من خزي وهوان للمسلم وليس كل ما يحدث لنا بتدبير من الغرب بل لا بدّ أن هناك أسباب داخلية أدت إلى هذا الانحدار، وانحدر معها تأثير المسلمين في العالم وأصبحوا رد فعل وأن ما نعيشه هو تراكم لتنازلات من سبقونا عن أشياء قد تكون بسيطة على عهدهم ولكن آثارها ممتد للآن قد تكون عن قصد أو غير قصد.

إن المسلم هو محور الكون فعليا بعيدا عن إكلشيهات الكلمة فقد قال الله على لسان سيدنا موسى عليه السلام "قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" ومن أحق من المسلم من وراثة الأرض وهذه الحقيقة.

فهو الذي يقوم بمراد الله في أرضه بالعبادة والتذكير والدعوة إلى الله ويعمرها ويحق للمسلم أن يكون له قيمة في هذا العصر ولكن شيوع القوانين واللوائح الوضعية للغرب في كل مكان تحد من الإسلام وتجعل المسلم في أدنى الدرجات بسبب أفعال الإسلام والمسلمين منها براء المسماة "بالإرهاب".

ووظائف المسلم ذكرها الله في خواتيم سورة النمل يقول الله عز وجل على لسان نبيه محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم: -

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

وإن حياة الإنسان المسلم تدور في أربعة محاور رئيسية في هذه الدنيا جزء خاص بنفسه وجزء خاص عائلته وجزء خاص بالمجتمع المسلم وجزء خاص بالمهمة الأساسية له في الحياة وهي خاصة الناس كافة، فالأول يتضمن الصلاح والثاني الإصلاح والثالث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والرابع إخراج الناس من الظلمات إلى النور وكلها واجبة التنفيذ على قدرة كل منا.

المحور الأول: - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا

يقول الله عز وجل "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا [سورة الشمس: 1-10].

إن النفس هي مدار الإنسان من خلال يستطيع القيام بالخير أو الشر أو الطاعة أو المعصية، ولهذا حرص الله تعالى أن يربي النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم والصحابة رضوان الله عليهم ثلاثة عشر سنة في مكة تربية لرياضة النفس؛ فنجد أن القرآن المكي إما لتزكية النفس أو لتثبيت القلوب.

فلم تنزل الشرائع لأن هذه مرحلة جديدة إذا لم يكن هناك نفس تقية لله وعزيمة قوية للعمل لم ينفع معهم شريعة ولو كانت منزلة من السموات العلا، ولهذا يقول العلماء قبل أن تبدأ الإصلاح ابدأ بالصلاح لأنه قاعدة البناء الأساسية في العمل سواء في الدين أو الدنيا.

ولا تزكية للنفس إلا بالقرآن يقول الله عز وجل وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا ومدوامة تلاوته وتدبره يوميا تتشربه وترتقي عن النظرات الدونية فهو للروح مثل الماء للبدن وحتى تلبس النظارة القرآنية وترى حقائق نفسك ومن ثم الحقائق الكبرى على حد وصف د.أحمد عبدالمنعم،

ثم أذكار الصباح والمساء بمثابة الحصن الحصين الذي يمنع مرور الشيطان لك ولقلبك ثم ترويض النفس بإحصاء الرذائل المحسوسة في يومك وهذا لأننا نقع في شر عظيم نبدأ الصلاح دون سد ثغرات المفسدات التي تراكمت والنفس تميل لما ألفته.

ثم الصلاة التي بمثابة تطهير دوري لنفسك وأنها عماد الدين إذا انقطعت عنها انقطع عنك مدد تزكية النفس، والقراءة الجادة ثم القراءة الجادة ثم القراءة الجادة فلا يجوز لك كمسلم قراءة الكتب الرائجة لأن الناس كلها تقرأها فأين شخصيتك إذن فادخل عالم القراءة كأنك ظمأن وتريد أن ترتوي.

المحور الثاني: - قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا

يقول الله عز وجل "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ".

إن الإصلاح يبدأ من العائلة فتحول بعد أن أصلحت نفسك أن تعظ وتوجه الآخرين من أسرتك ليس بالأمر وليس بالنصح والرفيق، إذا كان أخيك لديه إدمان تجاه شيء ما أو صفة ذميمة أو حجاب أو لباس أختك لا يليق بحدود الشريعة أو أدب المجتمع.

أو أبيك أو أمك لديهما من النقائص لا بدّ أن تردهما عنها بالرشد ولا تظن أنك ستنجح من أول مرة بل يحتاج الأمر إلى المرة تلو الأخرى مع الدعاء لهم واصطبر حتى يأذن الله بفتح قلوبهم لك؛ فأنت مسئول أمام عن عبورهم الآمن للجنة رغم الأذى والتجريح والإعراض عما تقول

يقول النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم "أدبني ربي فأحسن تأديبي" هو حديث ضعيف ولكن هنا مشروعية الدعاء لتأديب وترويض وتأهيل أنفسنا لإصلاح مجتمعنا الصغير، لأن التربية هى التربة الخصبة التي تصلح فيها نبتة الأفكار ومن غير التربية لن يكون للإيمان مذاق، عن جندب بن عبد الله قال: - "كنا غلمانًا حزاورة مع رسول الله صلّى اللَّه عليه وسلّم فتعلمنا الإيمان قبل القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا".

هذا دليل على أهمية غرس القيم والفضائل من خلال القدوة الحسنة وعدم المحاسبة بالعصا أو اللسان الجارح بل لا بدّ من أن نعي أن هذا بناء قد يصلح وقد يفسد بسبب التربة ويقول الإمام محمد عبده "الإنسان بناء الله لعن من هدمه"، فأحسنوا الزرع تقطفوا ثمارًا طيبًا.