الناظر للمجتمعات الشرقية وخاصة المجتمعات العربية يجد ضبابية في المشهد حتى المجتمع يعاني من ضبابية فيما يخص توازن القوى والوقوف مع جانب بعينه ضد جانب وتسخير كل الإمكانات المتاحة لهدف ما وهو ما يخص قوام الإنسان في يومه وهو مأكله ومشربه وحياته الزوجية.

بالتأكيد من يقتصر تفكيره في الحياة الدنيا على معركة لقمة العيش والجماع هو مساو للحيوان والله عز وجل كرم الإنسان بعقل وقلب ونفس، لكن عندما تكون هذه الاحتياجات الأساسية غير موجودة للشخص العادي والله قد كافلها للإنسان حتى يتفرغ لعبادته، لا بدّ لنا من وقفة ومن يرمي باللوم على القدر فهو يحتاج إلى تقويم نفسي ليقيس مدى يقينه بوعد الله.

ورغم أن الحياة في عصرنا أفضل من ناحية الموارد المادية إلا هناك تزايد في نسب الفقر والحرمان وقلة نسبة الأغنياء وانتشار الأمراض المصاحبة للمجاعات وزيادة نسبة العزاب والمطلقين على حد سواء، وكل هذا سبب في العلل النفسية وأهمها الخوف والقلق والتوتر النفسي وهذا يجعلنا نسأل من السبب فكما يقال إذا علم السبب بطل العجب فما بالك بالمتسبب في هذه الفوضى.

مع حركة الكشوف الجغرافية الأوروبية وهو ما يعرف بتحول دفة الحضارة من الشرق للغرب والتي صاحبها من استعمار ونهب ثروات البلدان المختلفة وتغيير النظام العالمي بنظام الدول القومية الحديثة ووضع الحدود حتى أصبحت أقل وسائل المعيشة في انخفاض مستمر حتى وسائل الأمان والاستقرار غير متاحة حتى وصل التضييق على مر العصور من بعد سقوط الأندلس في الدين والعبادة مستمرة للآن ولكن بأسلوب مختلف ولكنه أبشع مما سبق.

ولكن أثناء وجود الاستعمار كان الاستبداد السياسي يخطو خطواته الأولى من أيام محمد علي باشا والتي فشى في الأقطار العربية والإسلامية فيما بعد والتي نعاني منه الآن وتوغل الاستبداد خاصة مع موجة الانقلابات في منتصف القرن العشرين وهذا جعل الناس يهيمون في كل واد بغية الوصول إلى درجة من الأمن والكفاف.

وما زاد الطين بلة قيام دولة الاحتلال والتي لم يدافع فيها العرب دفاع مستميت عن فلسطين وحتى حرب أكتوبر كانت معركة تحرير أرض لا أكثر وظلت سيطرة الاحتلال على أراضي فلسطين وأصبح الجهاد الشرعي هو ما تقوم به الجيوش النظامية التي تتبع أجندات الأنظمة والتي بطبيعة الحال تابعة للدول الكبرى ولا كأن الجهاد فرض شرعي على مسلم وهذا ما يفسر سبب كره الأنظمة العربية لحركة حماس التي هي خط الدفاع المنظم الغير رسمي غير مرغوب فيه.

وهذا كله من شأنه يجعل الإنسان مقهور مغلوب على أمره لا يدخل معركة إلا معركة لقمة العيش، ومع ذلك ورغم أن العوام من لحظة المهد إلى اللحد في هذه الحالة منذ عصور الاحتلال إلا وأصبحت معضلة الزواج تشكل حيزا كبيرًا من التفكير بسبب أن الزواج شكل من الأشكال الطبيعية للحياة الإنسانية ولكن مع زيادة الفقر والبطالة أصبح حلم بعيد المنال.

المطلوب من إنسان يبدأ حياته عملا شاقا بمرتب هزيل ومتطلبات زواج تتخطى حاجز مئات الآلاف من الجنيهات فلا هو قادر على أداء مهام عمله على أكمل وجه وليس عنده قدر كاف من الراحة النفسية، فيعيش هذا الإنسان بالحد الأدنى التي تبقيه إنسانا في حين قلة من الناس آخذة حقه وتتنعم به.

وقد قولنا أن الله كافل للإنسان رزقه من هذه الأشياء حتى يتفرغ لمهامته الرئيسية وهي عبادة الله وحده فلا يقلق على فوات الأوان لشيء ولا يأمل البقاء في محل الزوال فلا ينصب تركيزه إلا على الطريق المرسوم له من قبل الرحمن سبحانه وتعالى.

لكن أيضًا لا بدّ له من معاش الدنيا الطيب بالسعي ولكن سياسات الأنظمة العربية تجعل الإنسان ترس في ألة منذ البلوغ إلى الكهولة، فبدلا من أن يجعل وقته ثلث لعمله وثلث لأهله وثلث لنفسه أصبح تقربيا وقته كله للعمل حتى يوفر نفقات المعيشة فقط التي يستدين فوق مرتبه إذا كان يطمع في نزهة أو شراء حاجة لأطفاله.

وإن هذا لظلم مبين للمجتمع وهذا مؤذن بخراب العمران كما قال ابن خلدون، كيف يستطيع مجتمع قلة منه تمسك رقاب الكثرة وهذا سببه الفساد والاستبداد بلا شك. وهذا من شأنه أن يجعل المجتمع ينتشر فيه رذائل أخلاقية كمان نرى الآن والبحث عن أي مصدر مالي حتى وإن كان محرمًا وانتشار القتل بسبب عدم وجود الأمان والاستقرار النفسي بين الناس خاصةً الأزواج.

وأصبح مصير الشاب العربي إما الهجرة للبحث عن فرصة للعيش الكريم وإذا فشل فهو عرضة للكفران والبحث عن معيشة حرام وإذا ظل في بلده لن يكون له أمل في حياة تحفظ كرامته إلا بدخول دائرة الفساد سواء دائرة الفساد في العمل أو الفساد المجتمعي مثل مجالات الفن المختلفة أو الإعلام بشكل عام.

وأختم بسورة قريش بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)، ذكر الله من يضمن للإنسان الطمأنينة والسكينة أثناء عبادته في حياته، الطعام يمثل كل ما يشتهيه الإنسان والأمن من كل خوف دنيوي حتى لا يضطرب، أما السياسات الاقتصادية الاستبدادية تجعله يجوع أكثر ولا يأخذ حقه المفروض على الدولة حتى يسهل انقياده فيما تقرر بشأنه وأما السياسات العامة تجعله يخاف ابتداء من إبداء الرأي فيما يراه وتوجيه النقد للنظام الحاكم حتى لا يحرم حقه في الحياة نفسها.