بين أحشائها زرعت في روح الحياة، فأنارت الظلام الذي ملأ المكان الضيق، غمرتني حرارة ناتجة عن تدفق الدم بين عروقي، فأحسست لأول مرة بكينونتي...

لست أحصي للزمن عداده، إلا أنني أتغير يوما بعد يوم، كنت نطفة، ثم علقة، و ها أنا اليوم مضغة مخلقة، تشع بالحياة... غمرتني أيام تتلوها أيام، ثم ما لبث أن مضت أربعة أشهر على إقامتي في هذه الخواء المريح، فبدأت تظهر علي سمات الكائن البشري، ذلك المدعو بالإنسان...
كم كانت الليالي تمر طويلة و أنا حبيس الظلام؛ إلا أن ما يجري بالخارج قد كان و لشيئ ما يؤنس وحشتي، كنت أسمع كل شيئ و أشاهده ، أحيا بالخيال و أترعرع بالإنصات، كنت أعي مليا أن ما أنا عليه الآن، ليس سوى مرحلة قد تمر سريعا و قد تبطئ، فذلك يعود لمدى تفاعلي مع الأحداث التي تترائى لي خلف ستار الظلام، يرسلها إلي القدر المتمكن من دوره بالخارج، و ما أشد إعجابي به...

كان كل يوم يخبرني بما ينسب إليه من أفعال، و افتراءات، تتلقفها أذناه ممن لا تزال أرواحهم تحتك بأجسادهم في خضم تلك الحياة... يسمع كل ذلك من أولئك الذين انقادوا نحو الإستسلام عوض بدل مجهود أكبر , بحجة القدر ,لقد لجئوا إلى التواكل بدل التوكل على الله ,و القدر بريء من كل هذا و ذاك ...

 لم أغفل عن أي شيئ كان يخبرني به و بذلك فقد أرخى سدول اليقين عن كل حيرتي، أومأ إلي برأسه ضاحكا، أن لا داعي للقلق، فكل شيئ بأوانه، ثم حلق كطير حر بين أفكاري هاتفا؛ بأنه لن يفوتني شيئ جدير بعيشه...متاع قليل، لكن الأمل يلهي، و ينسي القلوب رجاء الحياة، فتتعبهم، و يا لكثرثهم ممن يتمنون لو يعود بهم القدر إلى هذا المكان السحيق الذي حصرني داخله..

علمني القدر من خلال رواياته عن الإنسان.. أن الظلام الذي أسكنه أنا ما هو إلا نور يسري بين أنفاسي ، يشتعل فطرة حتى تذوب فيه شموع الكمال تاركة عطرا زكيا أخادا، إنما الظلام هو الذي بالخارج، هو الذي يسكن قلوب أولئك الذين كانوا في يوم ما مثلي... فاشتعلت قلوبهم حقدا عوض أن تشتعل ودا، إن الإنسان كائن يولد صفيا رقيقا خاليا من الذنوب و العيوب، فيجمد مكانه بين بيئته يكتسب و يتعلم و يتأقلم، حتى يعود ذا خبايا لا يعلمها إلا الله، تختلط عليه الشخصيات و المزاجات النفسية، فلا تعود تفهم من أي نوع قد سيق إلى هذا العالم...
لست أجزم فهذا ما علمني إياه القدر، كان مخطئا حينما صور لي الحياة قبل أن أغرس روحي في ترابها؛ لكنه أيضا علمني أن الظلام أنواع ، و منه من ينبني على حق و غاية، فالظلام الذي يسود حجرة كاتب من غير شمعة خافتة ،قد يكون ظلاما يحرر الأفكار، و يغير الأجيال؛ لكن ذلك قد يودي به في بعض الأحيان ، إلى ظلمات لا تنتهي، يوم يرمى به في غياهب السجن ، و لا أنفي أن تكون غياهب قبر موحش، فقد سمعت من حديث دار بين أمي و جدتي أننا في زمان , كل من يلفظ فيه حقا يقتل باطلا..و على ذكر أمي كنت أحاول أن لا أتعبها فيكفيها ما تعانيه خارجا حتى أزيدها داخلا...كانت المسكينة تقوم بأعباء تتكبدها بصمت، لا تشتكي إلا إلي ، فهي تعلم أنني أسمع ما يئن عليه قلبها أكثر مما تسمعه هي ، أو لست منذ ستة أشهر في خلوة معه ...
مضت الشهور تباعا حتى جاء يوم تجلى فيه البدر مربوع القامة ، يعاند بضياءه الظلام السمائي المهيمن في تلك الليلة، أحسست بأن شيئا في قد تغير و أن المكان الذي جمعني لمدة تسعة أشهر لم يعد يسعني، أحسست بأن الأرض ضاقت بما رحبت و أن الساعة التي انتظرتها طويلا قد حانت ، و بعد مخاض قد تفنن في إيذاء أمي، لمحت أول نور لم أزل أتذكره إلى الآن، لم يخبرني القدر بأن ضياء الحياة مشع بهذه الطريقة، حقا من شدة غرابته رحت أبكي ، و لست أدري هل بكيت لأجل فراق أم لقاء، حملتني أمي إلى حضنها الأكثر دفئا من أحشائها التي حفظتني طويلا، هدأت فلا زلت أهمس إن كنت سأظل في حظنك فلا مخافة علي في هذه الحياة... حتى حملني شخص من عندها ، أحسست به يرفعني حتى أوصل فاه إلى مقربة من أذني اليمنى و كأنه يريد أن يجعل الكلمات التي يتفوه بها تتجه بدقة دونما تضيع بين الأنحاء ، تنبعث سريعا إلى قلبي ، تلك المضغة التي كنتها في يوم من الأيام فتمتم قائلا ؛ الله أكبر، الله أكبر، ...ظل يردد ترانيم دافئة حتى خلدت لنوم خفف علي حمل التفكير فيما ينتظرني، قد ارتاح قلبي فارتاح الجسد كله, فتذكرت الحديث النبوي الشريف الذي أخبرني به القدر قديما،ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب...