إن ما نحن تمعنا في القرآن فالحقيقة أنه ربيع للقلوب، يسحرها و يجعلها تهيم في كلماته و معانيه... إنه "جنة المؤمنين في الدنيا"، في قراءته إنشراج و هناءة، صدى آياته ينجل أرض قلوبنا و يشقها ،حتى تعود صالحة لزراعة بذرة الإيمان الصادق القوي، و بالترداد و المعاودة، تتشعب جذور البذرة في عروقنا مثيل الومضات التي تشع نورا خافتا، فيبدل الله ظلام نفوسنا إنبلاجا...أفلم يقل الله تعالى :" يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"

لكن و مع ذلك نغفل عنه ملتفتين إلى أشغال الدنيا التي لا تنتهي...

القرآن رفيق، صادق الوعد، محسن لرفيقه، لكن و مع الأسف فقليل من يقدره حق قدره ، و يعمل لأجل تعزيز علاقته به، حتى تراه ينزوي على نفسه في ركن من أركان الدار، يتمنى لو يطل في ما بين جوانبه أحد، أو يمسح على وجنتيه غبار الوحدة فيمسح هو بعد ذلك على من يرفق به غبار الغفلة و التسويف الخانق...

ألا فلتدعو قائلا بصدق يتخلله عزيمة المخبتين لله،"اللهم اجعل هذا القرآن ربيعا لقلوبنا و جلاءا لأحزاننا، و ذهابا لهمومنا،"....

و حين تتصفح هذا الكتاب العميق، فلا بد من أن تمر على سور تظل راسخة بما تحمله من معان خليقة بأن تظل كلماتها تبعث القوة و الطمأنينة في كل مرة نتذكرها، من بين هذه السور سورة طه تلك التي خلفت في قلبي أثرا طيبا شاعريا رقيقا، ترتيب آياتها و خصوصية رسائلها،تلك التي لا تنقضي، جعلتني أكتب هذا المقال...

 "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" بداية فأل لسورة كلها سحر و راحة...إن ما نحن تأملنا كلمات هذه الآية فإنها و الله تهمس في قلوبنا بصوت حنون قائلة :إن الله صدقا لا يحب لعباده الشقاء، و لا يهون عليه أن يشقى ذلك الإنسان الذي صوره فأحسن صوره، و لهذا أنزل القرآن ،فقط ليكون ساعده الذي يستند إليه في كل مرة يسقط فيها، ليكون قوته الخفية التي يواجه بها الحياة، بهجته و سبب أوبته إلى الله...كلما زلت قدماه الطريق...

ما بين صفحات هذه السورة تأتي الآيات تباعا تلك التي تهدئ النفس و تبعد عنها الخوف و الجزع زارعة فيها الثقة بالله أولا ثم بالنفس ثانيا،... سنتطرق إلى بعض منها...

بدءا بالحديث الذي دار بين الله و سيدنا موسى في جبل الطور، و لطالما تمنيت لو انني كنت مكانه،... نادى عليه الله قائلا :"إِنِّي أَنَا رَبُّكَ" ,ثم سأله أن يلقي العصا التي كانت بحزوته ,فألقاها فإذا هي حية تسعى، ففزع موسى إلا أن الله هدأ من روعه قائلا "قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَىٰ" ،أن تسمع من الله كلمة لا تخف، فحري بك أن لا تخاف بعدها، ثقة بقدرته تلك التي لا تحدها حدود، فهو الذي إن أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون... ثم بيده أن يرجع الحال إلى ما كان عليه في رمشة عين، فقط لا تخف...و كاستشهاد على أن الله يعيد الحال إلى ما كان عليه قوله في اية من سورة طه "فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ" ... مشيئة الله تتصرف بحكمة بالغة... فلماذا الخوف إذا, ابتعد عن أمه و في البعد رحمة, و اقترب من عدوه و في ذلك حكمة خالدة...صبرت أمه على فراقه ... فلم يكن من الله إلا أن أرجع الرضيع إلى أحضانها مرة أخرى.. إنها الثقة بالله تلك التي تصنع المعجزات ...قل لي هل أنت مستعد لكي تلقي نفسك في يم الثقة بالله إن اقتضى الأمر ذلك, كما فعلت أم موسى لرضيعها؟

ثم حينما طغا فرعون و علا في الأرض، أمر الله موسى بأن يكلمه عله يتذكر أو يخشى فما كان منه إلا أن قال واثقا من ستد الله له في هذه المهمة العظيمة قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي , وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي , وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي , يَفْقَهُوا قَوْلِي " يطلب أن يشرح صدره و يعينه في مهمة التواصل، يتأمل منه تمكينه من أن يتقن فن الإلقاء و المخاطبة حتى يفقهوا قوله... طلب آخر ارتجاه من الله ليقوى على مجابهة فرعون، هو أن يشد الله عضده بأخيه؛ فالأخوة هي السند، و بأخيك تزداد قوتك، و به تزداد رباطة جأشك،فقال له "وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي , هَارُونَ أَخِي , اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ,وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي...

 و زاد حينما علم أن الحاجة من الله تؤتى بالتسبيح كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا , وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا" فلم يكن من الله إلا أن قال "قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ".. هنا نتوقف أمام أدب التعامل مع الله في الدعاء و كيف أنه مفتاح للتوفيق ، إذن فالقرآن يعلمنا و يزرع فينا ما لم تزرعه أفكار و حكم الفلاسفة و المؤرخين، يزرع معان تتجلى في أن القوة فقط من عند الله ، والثقة منه وحده... و لهذا فالإنسان الذي يستنبط من كتاب الله الأحكام لا يمكن له أن يشقى ...حاشا لله...

 لنكمل،قال موسى و أخوه هارون: رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ، فأجابهما الله بكل حنان "لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ"... و هل لنا أن نستشعر نعمة أفضل من هذه ،معنا رب يسمع ما نجهر به و ما تخفيه صدورنا ،يعلم قلوبنا و يرانا، إذن فالله معنا أينما كنا صدقا لما جاء في سورة الحديد، "  وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ" أو كما جاء في سورة أخرى"لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا"... لكن العجيب الذي أختم به ما خطه قلمي، أن كلمة تشقى قد استعملها الله ثلات مرات في ثلاث ايات منهن الأولى تبك التي ذكرتها آنفا: "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" و الثانية.. "فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ" على ذكر قصة آدم تلك التي جاءت مستعجلة قصيرة .... "فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ"... آية لطالما ترددت إليها عيوننا، و لطالما سمعنا تلك القصة و شاهدناها، قصة آدم و إبليس، و كيف وسوس إليه حتى حرمه الجنة...كم تخيلنا لو أن آدم لم يذعن لإغراءات الشيطان لكنا الآن نقبع في النعيم كلنا...و ما هو النعيم الحقيقي ؟؟ ..

لكن النفس البشرية جبلت على حب التملك و البقاء، و لهذا فتسيير الإنسان يتطلب دليلا شاملا يدله كبوصلة، يتبع ما ينبغي اتباعه و ينفر من كل ما هو غير مرغوب فيه...لكي يجد راحته و سعادته... لكن باعتراف؟ أو ليس داخل كل واحد منا يقبع آدم ، و في كل يوم نحن نفعل ما يفعله آدم إلا أننا لا نبحث عن شجرة الخلد بقدر ما نبحث عن ملك لا يبلى ، آدم حينما عصى ربه أخرج من الجنة و قد حذره الله من الشقاء الذي سيتبعه إن ما خرج منها ...و نحن نخرج منها مرارا و تكرارا... نخرج من النعيم، من الرضا، من السكينة ، من الإخلاص من الهدوء، من الراحة،من النور،من المجاهدة، من السلام الداخلي، من السعادة ، من الثقة، من الحب،...حينما نبتعد عن الله ، النعيم الحقيقي هو منهج الله، طريقة عيشنا يجب أن تكون مقرونة بما أمرنا الله به و بما نهانا عنه،.... أمرك أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك فهذا نعيم، ها قد أبعدت عنك الحسد فحل محله الحب... أمرك أن تلجأ إليه خمس مرات في اليوم ، لم ؟؟ ...فقط لكي يظل قلبك في نعيم السكينة خاشعا متبتلا... أمرك بأن لا تهجر القرآن، لكي لا تشقى فالشقاء يأتي بالإبتعاد عن الله و ليس عن الجنة،القرب منه يبعث القوة في النفس البشرية، و يعلم الإنسان العشق الحقيقي، الحياة في بعدك جحيم، و في قربك جنة يا الله... إذن فالجنة هنا ليست بالضرورة أنهارا و قصورا و حور عين بل هي قرب من الله و عيش في كنف هدايته ، هدى منه و لا ضلالة بعد ذلك ...

" " لهذا أنزل القرآن... "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" جنة المؤمنين في الدنيا... ألا فلنعد إليه كي يزيح عنا شقاء الدنيا و الآخرة....