"لم يختلط عليّ الخيال بالواقع أبداً" قلت لإيلاف، "أستطيع تمييز أحلامي لأنها جيدة، جيدة لدرجة أنها لا يمكن أن تكون واقعاً" كانت تتسائل عن كيفية التمييز بين الخيال والحقيقة، الواقع والحلم، والخطوط الفاصلة بينهما.
لم أقل لإيلاف أن أحلامي السيئة تكون واقعاً بشكل أو بآخر، قلت لنفسي البنت مشتتة بما فيه الكفاية، لا داعي لإرباكها أكثر. أحب إيلاف بلا سبب، رغم عدم وجود روابط قوية بيننا، حفظها الله وهداها وأمّنها في الدنيا والآخرة.
الأحد أول تشرين الثاني/نوڨمبر، حفل المولد النبوي الشريف في شيخ العمود. أذهب مع إيمان وتقابلنا مريم في ميدان العباسية، تنتظرنا زينب بالقاعة وآمنة في الطريق. يبدو علي الحزن جلياً لكنني لا أنطق. 
لم أحضر للمدرسة منذ مجلس الأحباب المنعقد في آخر خميس من شباط/فبراير الماضي. تلح علي الذكريات وتزداد وطئتها مع سيري في الطريق، مبنى النقابة، البهو، أتحرك للمصعد مبرمَجة أقول "طالعة الدور السادس، شيخ العمود". 
الحفل في القاعة، أقول في نفسي لا يهم المكان، الناس هم الأصل وهم روح المكان. 
أدخل القاعة فأرى أول ما أرى فاطمة، أقول لمريم وإيمان بجذل "فاطمة محمد أهي" أحييها ترد، أطمئن لرؤية فاطمة. 
ندخل، نجلس، متفرقين، أقول لعلها إشارة وأسكت، تبدأ الفقرات، كالعادة أبكي في المقطع التعريفي، أبكي تقصيري وتسويفي والعلم الذي يقبض والشهداء والحلم الموحد والانتماء والرفقة و و و. 
أتابع الفقرات باهتمام، أُنشد البردة والأناشيد بصوت مسموع ، تقول لي نفسي أن صوتي سيفسد التسجيل، لا أهتم.
أعود للمنزل، نتتاول الطعام صامتين وأنام. أراني جالسة على حافة النهر أبكي، لا يسندني سوى كتف رفيق، أقول وسط دموعي"أعلم أن هذا حلم، لا يمكن أن تكونوا أصدقائي لتلك الدرجة" يريح أحدهم رأسي ويقول"لا يمكنني فعل ذلك في الحقيقة"، قلت لنفسي "هذا ما كنت أعني يا إيلاف، أحلامي لا يمكن أن تكون واقعاً".
أجلس الاثنين بلا هدف، أنشغل يوم الثلاثاء لكنني أبدأ في كتابة هذا المقال، أكتب وأمحي، ثم أكتب وأمحي، مرات ومرات، أقول هذا سيُحزن فلانة، فلان لن يحب أن أكتب عنه، لا أريد أن أكتب ذلك، وهكذا.
مرّ أسبوع، مساء ليل الثلاثاء عاشر تشرين الثاني، أكملت.
أين وقفت؟
آه حسناً يوم الثلاثاء. سُحلت في الدراسة والسفر والعمل الأربعاء والخميس، لا أجد وقتاً للتفكير ولا لمشاهدة شئ، أقول للجميع كل خمس دقائق أنني أحتاج يوماً ثامناً في الأسبوع لأنام فيه.
أستيقظ الجمعة مبكراً بلا سبب واضح، أتذكر الحلم كاملاً فأشعر بسعادة يرافقها بعض القلق، رأيت فاطمة تهديني "مراسيل الحبيب"، تتصل بي، تقول "قابليني لاستلام طلبية" أقول "لم يطلب أحد" ترد "إنها هدية لكِ على تعبك بالتسويق" تصمم، أوافق لأراها وأقول لنفسي لم نخبر أحداً عن المراسيل سوى سلوان، ثم أقول لا يهم فاطمة غالية عندي ولن أرفض لها طلباً.
أقابلها في السويس، أقول لنفسي هذا حلم وعندما نستيقظ سنطلب المراسيل ولو اقترضنا ثمنها، أسلم عليها، أضمها وتضمني، أبكي وتبكي. 
أقلق، أستيقظ سعيدة لكن قلقة. أقول عندما أعود للقاهرة سأشتري المراسيل.
أنشغل مجدداً، أسافر بعد العصر، أصل العباسية متعبة، أفتح Facebook لأرى منشور فاطمة "محتاجة مكان لرعاية... بابا عمل حادثة كبيرة" تدور بي الأرض وتضيق، أسترجع وأحوقل، أصلي على الحبيب، أعلم أزمة الرعايات في مصر، لا أقول شيئاً، أخبر الولدين، أقول كلاهما طبيب، لعلهما يجدان شيئاً. 
يرد أحدهم، يسأل عن الحالة، يقول اتصلي بفاطمة، أرفض، لن أقوى، يتصل بها تقول وجدنا مكان، يتحركون. 
تكتب" أبويا مات"، أبكي، تذكرني نفسي بعبارتي التي أكررها دائماً "كلنا هنموت" أستمر في البكاء.
هذا ما يحدث لي عند وفاة أحد، أبكي كل الذين ماتوا وأنسى إننا كلنا سنموت. 
أذهب صباح السبت لمنزل فاطمة، أبكي طوال الطريق، يسألني الناس إن كنت بخير، أقول الحمد لله.
أقابل والدتها، وأحمد، وسيدة فاضلة تسألني "أنتي من بنات شيخ العمود!؟" أرد بصوت مخنوق "إن شاء الله، لعلني منهم" تقول "أنا والدة الشيخ أنس"، أبكي قليلاً ثم أستحي من نفسي فأسكت. 
أعود للصلاة على الحبيب، أدعي لفاطمة، تقول أمها: "رزقني الله ب٥٠ ولداً و٥٠ بنتاً من شيخ العمود" وتدعي لنا، أؤمن على دعاءها وأبكي، "لعلني منهم" أقول لنفسي "حضرت دورتين كاملتين، مجلس الأحباب ومجلس الفصحى، واشتركت على المنصة".
تأتي زينب والفتيات، بنات شيخ العمود، نصلي الظهر، تأتي الجنازة، نصلي، أهم بالذهاب.
تقول زينب "نسلم على فاطمة ونضمها" أرفض، أحكي لزينب ما رأيت "أسلم عليها، أضمها وتضمني، أبكي وتبكي".
أسلم عليها من بعيد، أدعي لوالدها ونمشي، لا أبكي لوجود زينب، مساءً قبل أن أنام أبكي، أبكي الجميع، أبكي كل الذين ماتوا، أبكي تقصيري وتسويفي والعلم الذي يقبض والشهداء والحلم الموحد والانتماء والرفقة و و و.