بسم الله الرحمن الرحيم

أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيْهِم َولا هُم يَحْزَنُون (62) الذِينَ آمَنوا وَكَانوا يَتَّقُون (63) لَهُمُ البُشْرَى في الحَيَاةِ الدُّونيا وَفِى الآخِرَةِ لا تَبْدِلَ لِكَلِمِاتِ الله ذِلِكَ هُوَ الفَوزُ العَظِيمُ (64)

صدق الله العظيم    ( سورة يونس)

تحتفل قنا بمولد سيدي عبدالرحيم القنائي رمز قنا وقطبها الكبير  في شهر شعبان من كل عام هجري  ، وقنا تسعد هذه الأيام بالاحتفال  باقامة حفلات الذكر وغيرها من مظاهر الاحتفال المتنوعة وذلك حتى نهاية الاحتفالات في الليلة الختامية بمنتصف شهر شعبان .

في السطور التالية نلقى الضوء على  هذا الرجل الذي ملأ قلوب الناس . 

مولده ونشأته

يعرف بـ عبد الرحيم القنائي ، وهوعالم دين وتفسير إسلامي مغربي، وهو السيد عبد الرحيم بن أحمد بن حجون كان يسمى في طفولته بالمغرب "أسداً" فلما قدم إلى مصر سمى نفسه " عبدالرحيم " ؛ لما وجده في الاسم من رحمة ولين . ولد فى المغرب الأقصى فى الأول من شعبان سنة 521هـ / 1127م في قرية " ترغاي " بمدينة سبتة بالمغرب ، لأبوين كريمين ينتهى نسبها إلى سيدنا الحسين "رضى الله عنه"، وأمه السيدة الشريفة سكينة بنت أحمد بن حمزة الحرانى، وهو من بنى حمزة الذين كانوا نقباء الشام، وشيوخه كانوا ذوى علم ودين. أما والـــده فقد كان عالماً فاضلاً وإماماً ذا مكانة كبيرة عند الناس، وعرف عنه قدرته الكبيرة فى الوعظ والتأثير على الناس، وكان محبوباً منهم، وكان حجة فى الحديث الشريف وفى فقه الإمام مالك "رضى الله عنه".

توفى والده وهو فى الثانية عشرة من عمره ( وفى رواية الثامنة عشر )، وكان يحب والدح حباً جماً، ويرى فيه المثل الأعلى والقدوة الحسنة، لذلك فقد تأثرت صحته وساءت حالته النفسية بسبب وفاته، فمرض مرضاً شديداً، حتى أصبح شفاؤه ميئوساً منه، مما جعل والدته تفكر فى إرساله إلى أخواله فى دمشق، أما أمه فكانت سكينة بنت أحمد، كانت سيدة فاضلة تنتمى أسرتها إلى أسرة عريقة من سادة دمشق. فهو حسنى النسب من جهة أبيه وأمه.

كان الطفل ( أسد ) عبدالرحيم، حاد الذكاء، قوى الملاحظة والذاكرة، يعى ما يرى ويسمع، ويروى عنه أنه رأى أمه تشعل ناراً، فلاحظ أنها تبدأ بإشعال الحطب الصغير، ثم تضع بعد ذلك الحطب الكبير، فبكى، ولما سألته أمه عن سبب بكائه، قال، إنه يبكى خوفاً من الله، ظناً منه هذا سيحدث لهم يوم القيامة، فيبدأ العقاب بالصغار ثم يتلوهم الكبار، فطمأنته أمه أن رحمة الله واسعة. توسم والده فيه خيراً، فكان يصطحبه إلى مجالس العلم والوعظ واستطاع الكلام فى علوم الفقه وشرح الحديث، وهو فى الثانية عشرة.

نسبه الشريف

ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب فهو هو عبدالرحيم بن احمد بن حجون بن محمد بن حمزه بن جعفر بن إسماعيل بن جعفر بن محمد الجور بن الحسين الجواد بن علي بن محمد الديباج بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الامام الحسين رضي الله عنه ابن الخليفه الراشد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه .

حياته وعلمه رضى الله عنه

أمضى - رضى الله عنه - طفولته في تحصيل العلم في جامع ترغاي الكبير على يد والده ،و تتلمذ على كبار العلماء ، فلم يكد يصل الثامنة من عمره حتى كان قد حفظ القرآن الكريم وجوده تلاوة وفهما، ثم توفى والده وهو في سن الثانية عشر ؛ لذلك مرض مرضا شديدا حار الأطباء في علاجه ، وأشار بعض منهم إلى أنه يجب أن يغادر البلاد لما في ذلك من عزاء لوالده الراحل ، قضى في دمشق ثمانى سنوات نهل فيها من علماء دمشق ، وقد بدا لهم ذكاء السيد عبد الرحيم وسرعة بديهته وحفظه وميله إلى التصوف ؛ فطلبوا منه وهو في سن العشرين أن يلقي الدروس ، فأبى وذلك أدبا لأنه يعرف قدر علماء دمشق ، وكان مقيما عند أخيه فسألوا أخاه إقناعه ، فرفض وقرر العودة إلى بلدة ترغاي. وفي ترغاي وجد مكان أبيه شاغرا لم يقدم أحد على شغله لمعرفة مكانة الشيخ وأن ليس فيهم من يستحق هذه المكانة واجتمع علماء ترغاى واصروا على احلال السيد عبد الرحيم مكان أبيه، فكان لهم ما طلبوا. وفي أول درس يلقيه الشيخ تكدس الناس لما بدا لهم من غزارة علم السيد عبد الرحيم الشيخ الصغير ذي العشرين عاما ، وذاع صيته وتوافدت عليه الناس من البلاد المجاورة للقائه.

قضى السيد عبد الرحيم خمس سنوات على هذا النهج وما يقوم به من مهمة الوعظ والإرشاد عن واجبات المسلم نحو ربه ومجتمعه بأسلوب ساحر أخّإذ أبكى المستمعين تأثرا وإعجابا. على أن أحداث المشرق في ذلك الوقت من تكتل قوى الاستعمار الأوروبى المقنع تحت اسم الصليب، للهجوم على بلاد المشرق واستعمارها كانت تشد تفكيره بقوة إلى المشرق حيث كان يرى وجوب تكتل كل قوى المفكرين من المسلمين لحماية الدول الإسلامية وتعبئ كل القوى المادية والمعنوية لحمايتها من التفكك والضعف والانحلال الذى أوشك أن يصيبها. وفي تلك الأثناء توفيت والدته ولم يكن تزوج بعد وليس هناك صغار يسعى في تربيتهم، الأمر الذى جعله بالإضافة إلى الأسباب السابقة، أن يفكر في الرحيل إلى المشرق. ارتحل "رضى الله عنه" من ترغاى عام 542، وهو فى الحادية والعشرين من عمره، ميمماً وجهه شطر الحجاز لتأدية فريضة الحج، وفى طريقه مر بمدينة الإسكندرية والقاهرة فتركا فى نفسه أثراً لم تمحه رحلته المقدسة إلى البلاد الحجازية. اتخذ طريق الحاج الذى يمر بمدينة قوص، ثم يخترق الصحراء الشرقية إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر، حتى يركبون السفن إلى ميناء جدة، ولعله تعرف فى أثناء رحلته فى صعيد مصر على الأوضاع بها، مما دفعه بعد ذلك أن يستقر فى هذه البلاد فيما بعد لينشر الدعوة الإسلامية.

وقد روى أنه قد تعرف إلى أحد العلماء المصريين فى مكة أثناء موسم الحج، وطلب بعد أن يصطحبه إلى مصر، فأخذه إلى مدينة قوص، ثم انتقل إلى مدينة قنا واشتغل هناك بالتجارة جنباً إلى جنب مع طلب العلم ولقن الناس كثيراً من أمور الدين حتى ذاع صيته. ويقول السيوطى: إن عبدالرحيم "رضى الله عنه" لم يكن لديه ما يربطه بمكة والمدينة، واقتنع بحجة الشيخ المصرى بأن واجبه الإسلامى يدعوه إلى الإقامة فى قوص أو قنا، ليرفع راية الإسلام وليعلم المسلمين أصول دينهم، وليجعل منهم دعاة للحق وجنوداً لدين الله.

وافق عبدالرحيم على الرحيل إلى مصر فى عهد الخليفة الفائز لدين الله الفاطمى سنة 551هـ، ولكن سيدى عبدالرحيم لم يرغب بالبقاء فى قوص، وفضل الانتقال لمدينة قنا، والإقامة بها، ولأن قوص ليست فى حاجة شديدة إليه فقد كانت وقتها مليئة بالعلماء والفقهاء وكبار المفكرين من أهل الدنيا والدين. وبعد أن أمضى الشيخ عبدالرحيم ثلاثة أيام بقوص رحل إلى قنا، حيث التقى بالشيخ عبدالله القرشى أحد أوليائها الصالحين، فانعقدت أوامر الألفة بينهما، وتحابا وتزاملا فى الله، وقد ساعد جو قنا الهادئ الشيخ عبدالرحيم على حياة التأمل، فأمضى عامين كاملين يتعبد، ويدرس ويختلى بنفسه ليتعرف على خباياها، كان يعمل بالتجارة ليجمع بين العبادة والعمل، حيث أخذ يدعو الناس ويعرفهم بتعاليم الدين الإسلامى، ويعمل نهاراً،ويجتمع بمريديه ليلاً.

اتخذ سيدى عبدالرحيم، ولم يحد عنه طوال حياته، وهو العمل بيده حتى يكسب قوته، وقدر درت عليه التجارة فى قنا ربحاً وفيراً ساعدته على الإنفاق على فقراء الطلاب والراغبين فى العلم وغير القادرين من أبناء المسلمين. وقد كانت لسيدي عبدالرحيم مدرسته الخاصة التى تسمح للطرق الصوفية الأخرى بالأخذ منها من غير الخروج على طرقها، وقال الرحالة ابن بطوطة: سافرت إلى مدينة قنا وهى صغيرة وحسنة الأسواق، وبها قبر الشريف الصالح الولى صاحب البراهين العجيبة، والكرامات الشهيرة عبدالرحيم القنائى رحمه الله، ورأيت بالمدرسة السيفية حفيده شهاب الدين أحمد.

ومن مؤلفاته - رضى الله عنه :

تفسير للقران الكريم و "رساله في الزواج " و " أحزاب وأوردة " و "كتاب الأصفياء" .

المصادر

1 - جريدة الدستور ، تحقيق صحفي "قنا على أعتاب 123 ضريح " ، يوسف أبوالوفا .

2- كتاب "ذريات سيدي عبدالرحيم القنائي، تاريخ وذريات " الباحث أحمد الجارد .

3 – موسوعة ويكيبيديا على شبكة الإنترنت