نقادة عبر العصور

فتحي حمدالله

عندما تتصدى للكتابة عن مكان بحجم نقادة ، يلزمك من الثقافة والبحث الكثير ، ذلك لأن هذه المدينة لها من التاريخ ما يجعلها حاضرة في الكثير من صفحات التاريخ ومتواجدة بجدارة واستحقاق في العديد من المتاحف الكبرى في شتى بقاع العالم .

وهي المكان المتوسط بين مدينتي قنا والأقسر ، ولها علاقات تاريخية بمدينة قوص ، وهي حتى وقت ليس بالبعيد كانت تابعة لها . تحتوى وحدتين قرويتين : هما طوخ والبحرى قامولا . مترامية الأطراف تبدأ بقرية الزوايدة وتنهي بقرية أسمنت مسقط رأس الشيخ على الأسمنتى .

التسمية

وقد حملت نقادة هذا الاسم مع بداية النطق باللغة العربية تقريباً في القرن السابع عشر الميلادي وهو تحريف عن الاسم القبطي ( ني كا داي ) وهي كلمة قبطية تعنى المعرفة أو الفهم . وهناك من يرى أن الاسم هو نجادة بمعنى النجدة حيث كانت نقادة منذ القدم هي القصد والملاذ عند حدوث الفيضان ، فيقوم المصريون القدماء بدفن كل ثمين وغال على أرض نقادة .

حضارة نقادة

نقادة لها حضور كبير في التاريخ القديم لإسهامها في مسيرة التطور الحضاري عبر عصور التاريخ الفرعوني ، حيث عرف سكانها مبكرا ً الطوب اللبن ، وبدأوا يستخدمونه في بناء جدران القبور ، لإيمانهم بفكرة البعث والخلود والحياة الآخرة ، كانوا يدفنون مع الميت الطعام والشراب والمتاع ، وكانت تلك خطوة متقدمة لظهور التحنيط .

وقد أسهمت نقادة في التاريخ الإنساني من خلال ما يعرف بحضارة نقادة الأولى ( العـَمرة ) بين عام 4000 ق .م حتى 3500 ق.م أما الفترة الزمنية ما قبل الأسرات المسماة بحضارة نقادة الثانية ( جَرزة ) والممتدة بين عام 3500 ق.م حتى عام 3100 ق.م والتي خلالها تم تعمير القرى فأصبحت مدناً صغيرة ،وزادت كثافة السكان وتوسع المصري في صناعة الفخار ، وتمكن من استخدام الأحجار التي جلبت من أماكن بعيدة .ثم حدث ما غير ملامح الحياة المصرية القديمة "التوحيد " قام الملك "نعرمر" بتوحيد مصر فوحد "هيراكومبوليس" و"نقادة"، وسجل اسمه داخل ما يسمى بالـ"سرخ" وهو عبارة عن مستطيل يصور واجهة القصر الملكي ويعلوها الصقر حورس، كما سجل هذا النصر على لوحته الشهيرة والمنسوبة إليه أي "لوحة نعرمر". وتوالت الأسرات بعد ذلك والتي تقسم وفقًا لتقسيم "مانيتون" المؤرخ اليوناني الشهير إلى ثلاثين أسرة تبدأ من 3100 ق.م. حتى 332 ق.م. أي مع بدء العصر اليوناني بمصر على يد الإسكندر الأكبر.

تاريخ الفخار في نقادة

يعود تاريخ الفخار في نقادة إلى عصور ما قبل التاريخ حيث وجدت آثار في مناطق مختلفة من نقادة ، حيث اكتشفت الأثريان الإنجليزيان "بتري " (*) و "كوبيل " بها آثار كثيرة معظمها تنم عن تطورات نسبية شهدها حيث بدأت نشاطها الحضاري بطابع محلي خاص خلال عهد عرف اصطلاحاً باسم "عصر نقادة الأولى " ثم واصلت نشاطها المحلي ولكن بصورة أكثر رقياً . وفي عصر آخر سمي بعصر " نقادة الثانية " وتشمل هذه الحضارة جبانات نقادة ، وخزام ، ونقادة ، والبلاص ، و ديوسبوليس بارفا وتقع على المنطقة المرتفعة من نجع حمادي . وامتازت حضارة نقادة الأولى بفخارها ذي الخطوط البيضاء المقاطعة ، وقد شاع هذا النوع في مناطق الصعيد دون الوجه البحري ويتميز برسومه التي ترسم بمسحوق الطفلة ، واستطاع أهل الفن في نقادة أن يستخدموا خطوطهم في تصوير أشكال هندسية ، وكانت أغلب هذه الرسوم تعتمد زخارفها على المثلثات والنجوم ، ونجد أيضاً رسوماً كمناظر طبيعية وكائنات حية منها مناظر تجمع الإنسان والحيوان في مجال الصيد ومجال الرقص ، إلى جانب هذا صور فنان نقادة رسوم المراكب التي تستخدم في أغراض النقل .

والسؤال الذي يدور بأذهان الكثيرين ، ما العوامل التي جعلت نقادة يطلق اسمها اصطلاحاً على الحضارتين رغم أنها لم تكن في حد ذاتها هي المركز الحضاري في المنطقة ، وإنما كانت جبانة لمركز حضاري وسياسي وديني يبعد عنها شمالاً بنحو 7 كم ويتمثل في مدينة "نوبت " والتي اطلق عليها اليونانيون " أمبوس " وهي على اطلال قرية طوخ حالياً . وفي صحرائها نجد " هرم " أمبوس المدرج " وقد عرفه أهل المنطقة بـ " جرن الشعير " كما نجد مقبرة " حور عحا" ويمكن مشاهدة قطع الفخار المختلفة المتكسرة والتي خلفتها أعمال التنقيب التي قام بها العالم " بتري " .وتظل صناعة الفخار حتى يومنا هذا في نجع " الشيخ على " بطوخ .

صناعة الفخار في نقادة

اشتهرمركز نقادة بمحافظة قنا بحرف تراثية عديدة، كالفخار والحصر والأسرة المصنعة من جريد النخيل، ولكن نقادة وقراها ارتبط اسمها بحرفة الفركة زمنا طويلا فى العواصم الأفريقية. والفركة "بكسر الفاء" عبارة عن منسوجات مصنعة من الخيوط القطنية، تمر صناعتها بمراحل عديدة تبدأ بصباغة الخيوط بألوان زاهية وجمعها على دواليب يدوية صغيرة، وصفها على النول اليدوى بطريقة هندسية بديعة . ولاقت الملاية النقادية شهرة واسعة الآفاق، خاصة فى العواصم الإفريقية، كالخرطوم ونيروبى وأديس أبابا وغيرها، حيث تتهافت عليها النساء الإفريقيات لاعتقادهن أن هذه الملايات تجلب الحظ والبركة، وتضفى عليهن قدرا كبيرا من الوقار والحشمة وهن يقمن بلف هذه الملايات حول أجسادهن الفارهة، حتى أن العروس الأفريقية كانت تشترط على عريسها تقديم عددا معينا من هذه الملايات ضمن جهازها قبل الزفاف وكانت فترة نهاية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضى عصرا ذهبيا لفركة نقادة، إذ كانت تدر ما يعادل أربعة ملايين دولار على نقادة وقراها التى احتكرت المنتج بعد خروج إخميم بسوهاج عن المنافسة واحتكارها للسجاد .

وتظل الفركة رغم كساد منتجاتها في السودان ، فقد تمكن الفنان النقادي من تطوير المنتج بشكل بديع ، واصبح منافساً قوياً للمنتجات المستوردة ، وأصبح ينتج الشال وغيره من المنتجات التي تجد رواجاً وطلباً عليها في السوق المصري والعالمي ويقبل عليها السائحون بشكل كبير . وتتركز صناعة الفركة في مدينة نقادة وقرية الخطارة وفي كوم الضبع وتسهم بعض منظمات المجتمع المدني في الحفاظ على هذه الصناعة من الإندثار مثل جمعية الشابات المسلمات بنقادة والبيت اليدوي بكوم الضبع كما يقوم بدور كبير في هذا المجال مجموعة من شيوخ الصناعة في نقادة .

الشيخ على الأسمنتى (1277 – 1334هـ ) ( 1860 – 1915 مـ )

علي بن محمود بن إسماعيل.
ولد في قرية أسمنت (مركز مدينة قوص - محافظة قنا - مصر) - وتوفي فيها.

حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية بمسقط رأسه، ثم انتقل إلى القاهرة، فالتحق بالأزهر، وتلقى علومه على يد عدد من العلماء، وحصل على درجة العالمية في الأزهر على مذهب الإمام مالك إبن أنس. عمل إمامًا وخطيبًا للمسجد الكبير بمدينة قوص، وكان داعية ومصلحًا في قومه.
انتسب إلى الطريقة الشاذلية الصوفية.

ومن إنتاجه الشعري «منحة الصفا لمن أراد العز والوفا» - المطبعة الحسينية - القاهرة 1324هـ/1906م، و«منحة المجيد على سيف المريد» - المطبعة الحسينية - القاهرة - 1329هـ/1911، و«زهرة الرياض في مدح خير العباد» (مخطوط) .

له خطب دينية شفاهية، وتراجم، ومؤلفات عديدة، منها: الدرر السنية في تراجم السادة المالكية - المطبعة الحسينية - القاهرة 1325هـ/1907م، والهبات الربانية في مولد خير البرية - مطبعة الإيمان - قنا (مصر) 1329هـ/1911م، وله مؤلفات مخطوطة هي: الدرر البهية، فتح الرحمن، قرة الأعين . وهو شاعر فقيه، شعره ديني يدور موضوعيًا حول مديح الرسول (صلى الله عليه وسلم)، في نزعة صوفية، وبناء فني يتناسب والإنشاد الديني. يميل نحو التعبير عن الطريقة الشاذلية، ويعتمد في بناء القصيدة طريقة الإنشاد الصوفي في حلقات الذكر وما تقتضيه من التوشيح، والتخميس، والتنويع في القوافي، واعتماد الأقفال.

ومن قصائده

من قصيدة سيد الشفعاء

يـا سـيِّدَ الشفعـاءِ جئتكَ قـــــــــــاصدًا محْوَ الـمسـاوي والكريـمُ يســـــــــــامحُ

روحـي الفدا لـتـرابِ روضِ جـمـالِكـــــــم فـانظرْ لـمـن يـدعـو الأنـامَ ويــــــنصح

فرِضـاكُمُ عـنِّي مُنـايَ وبُغْيـتـــــــــــــي وبـه فؤادي يستـريحُ ويشـــــــــــــــرح

إنـي عَيِيـتُ بـدعـوتـي لرحـــــــــــابِكُم بقـلـوب قـومٍ كـالصَّفـــــــــــا لا تجنح

فدعـوتُهـم كـدعـاءِ نـوحٍ قــــــــــــومَه مـن بعـد مـجلسِ وعـظِهـم أن يـمـرحــوا

شُغِلـوا بـدنـيـا عـن مُرادِ مـلـيكِهــــــم وجـمـيعُ ذلك يـومَ جــــــــــــــمعٍ يُوضَح

فَتَرَتْ مفـاصلُهـم بظلـمِ غذائهــــــــــــم والأرضُ بعـد سِبـاخِهـا لا تصلـــــــــــح

بتجـاربـي حقّاً عـلـمتُ نفـوسَهـــــــــــم لـمـلـيكِهـا عـن غـيِّهــــــــــا لا تسمح

فـالسهـمُ بـالـتـنزيل يذهـب فـي الهـــوا والطـيرُ يـوصلُ للخطـــــــــــــاب ويُفصح

والكلـبُ يـطربُ عـند أمـرِ مـلـــــــــيكِه ويجـيءُ بـالصـيـدِ الـمـراد فــــــــيُذبح

فسبرتُهـم حتى وجـدتُ صديـقَهـــــــــــــم كـالـمـاء مـن بـيـن الأصـــــــابعِ يسفح

ففررتُ مـنهـم قـاصدًا لـحِمــــــــــــاكُمُ أرجـو العطـا يـا خـيرَ داعٍ يـــــــــنصح

نقادة المستقبل

الذي يتجول في مدينة نقادة ، يظن أنها قرية ، لأنها محرومة من الخدمات الأساسية ، بشكل جائر منذ زمن بعيد ، يؤكد هذا الطرح الطرقات غير المعبدة والمؤسسات الفقيرة والمتكدسة باكوام المستندات وبالموظفين ، والشوارع الضيقة والتي تعج بالبشر ، دون وجود خطة تنموية واضحة لتطوير هذه المدينة التاريخية . ويمكن أن تجد نصوص على الأبواب الخشبية عمرها 150 سنة يمكن أن تعدها تحف فنية نادرة . وقرى نقادة متباعدة ، وبينها مسافات كبيرة وتعاني نفس المعاناة غياب شبه كامل عن خطط التنمية التي تضعها الدولة تماماً ككل قرى الوطن . رغم هذا فهناك ضوء خافت في نهاية النفق كما يقال ، حيث تبوأ مجموعة من الشباب صدارة المشهد في بعض المؤسسات الشبابية والتنموية في نقادة ويحاولون تطوير وتنمية نقادة ، نأمل أن يكلل الله جهودهم بالتوفيق والنجاح .

المصادر

1- معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين

2- الفخار الشعبي في مدينة قنا /إيمان مهران – سلسلة فنون بلدنا – الهيئة العامة لقصور الثقافة

3- زمان الفركة – الطيب أديب – اليوم السابع

4- (*)الپروفسور سير وليام ماثيو فلندرز پتري