الحكاية الرابعة

رسوم متحركة

جلست "آشا" على الأرض عند مدخل الكهف مرتدية حذائها المناسب لصعود التلال.. أصبحت الآن لا تنسى إرتدائه، بعد انزلاق قدمها فوق التل سابقا، وأخذت تراقب "سيمو" وهو يقوم بتصوير صغار النسر داخل عشها على التل القريب.. أنهمك "سيمو" فيما يفعله مستخدما الكاميرا الجديدة التى أشتراها بعد أن قضى وقت طويل فى تجميع ثمنها، وأخيرا ساعده والده على اقتنائها، وعلمه الكثير عن كيفية استخدامها، فقد كان "د. محمد" هاويا للتصوير بدوره. أخذ سيمو يضبط العدسة؛ ليقرب الصورة أكثر حتى يلتقط أكبر قدر من التفاصيل، فهو ينوى الاشتراك بالصور فى مسابقة لتصوير الحياة البرية، والأوقات السابقة للغروب هى من أفضل أوقات التصوير خلال اليوم. ونظر نحو "آشا" فوجدها ترتجف قليلا من البرد، ولاحظ أن الجو اصبح باردا إلى حد ما، فدعاها إلى الدخول إلى الكهف ليحتميا من البرد، وجمع "سيمو" بعض الحطب وأشعله ليدفئهما. وبينما هما كذلك، أسرعت بعض الطيور التى كانت تتخذ الكهف مأوى خارجة من الكهف، تعجبت "آشا" وسألت أخيها :

- "لماذا اندفعت هذه الطيور للخارج عندما أشعلنا النيران؟"

- "إن للطيور حواس مثلنا.. أمد الله كل المخلوقات الحية بحواس تساعدها على المعيشة، فالطيور مثلا لديها قوة النظر وحفظ التوازن، لأنها مهمة في عملية الطيران."

- "أيعني ذلك أنها حين رأت النيران خافت وطارت بعيدا؟"

- "نعم ، تتميز الطيور بقوة إبصارٍ حادة، وزاويةِ رؤيةٍ واسعةٍ؛ حتى إن العديد منها ذات عيون للخارج."

- "سبحان الله.. ألاحظ ذلك ولكن لمَ خلقها الله للخارج؟"

- "لأن كل عين تنظر للخارج عموديا على جسم الطائر، وتأخذ منطقة رؤية منفصلة تماما عن العين الأخرى."

- "وهل تُميز الطيور الألوان؟"

- "نعم، تتساوى قدرة الطيور على تمييز الألوان مع قدرة الإنسان أو ربما تزيد أو تنقص قليلا."

وبينما يشرح "سيمو" "لآشا" ما يعرفه عن حواس الطيور، سمعا صوت نعيق بومة، فقال لـ"آشا":

- "يبدو أن المساء قد أوشك، هيا، علينا أن نعود للبيت، صوت البومة يقول أنها فى مكان قريب، ستكون فرصة طيبة لتري طائر ليلي ذو عدسات كبيرة، تستطيع أن تجمع بهما الضوء الضعيف."

أومأت "آشا" رأسها موافقة، ونظرت تتفقد الرسوم على جدار الكهف، ولكنها فوجئت ما رأته، وظنت أن نظرها يخدعها فى البداية، فأغلقت عيناها وفتحتها عدة مرت، بدت الرسوم فى ضوء النيران المتراقص وكأنها حيوانات وطيور حقيقية تتحرك وليست مرسومة، فهتفت إلى "سيمو" الذى كان يهم بإطفاء النيران:

- " أنتظرْ يا "سيمو"، اُنظر إلى الرسوم."

تعجب "سيمو" واقترب من الحائط وهو غير مصدق، الحيوانات وكأنها استيقظت وتتحرك فوق الجدران، والطيور ترفرف بجناحيها، وحتى الأسماك المرسومة بدت، وكأنها تسبح، كان مشهدا مذهلا، وقف أمامه هو و"آشا" غير مصدقين لما ترآه أعينهما.

انطفأت النيران فجأة، وعاد كل شئ طبيعى فى ضوء الغروب الضعيف المتسلل إلى داخل الكهف، أضاء "سيمو" مصباحه اليدوى، ولكن الطيور المرسومة بقت على حالها لا تتحرك، أخذا يتأملان جدران الكهف وهما لا يفهمان ما حدث، وأخيرا همس "سيمو":

- "هل يمكن أن تكون خيالات؟"

ردت "أشا" بصوت قلق:

- "لا يمكن يا "سيمو" لقد رأينها معا."

- "ولكنها أختفت الآن."

- "أختفت مع انطفاء النيران."

- "نعم يا "آشا"، لديك كل الحق، فلنجرب إشعال النيران مرة أخرى لنرى ما سيحدث."

وما أن أشعل "سيمو" بعض الحطب داخل الكهف، حتى عادت الحيوانات على الجدران إلى الحركة مرة أخرى، وكأن الحياة قد انبعثت بها. وقف الطفلان يراقبان ما يحدث على الجدران وهما مستمتعان ومبتهجان بهذا الكشف الجديد، الحيوانات تمشى وتتلفت والطيور ترفرف، وحتى الثعبان بدأ يزحف والسمكة تسبح على الحائط وقالت "آشا" أخيرا:

- "علينا أن نذهب لنخبر أبى وأمى بأمر هذا الاكتشاف."

- "نعم، هيا بنا."

أطفأ "سيمو" النيران، وبينما هما خارجان من الكهف، لاحظا "بومة" تقف على فرع شجرة يابسة قريبة من مدخل الكهف، تأملتْها "آشا" بشغف وفرح، بينما يسرعان بنزول التل لإخبار والداهما عن اكتشافهم الجديد، بينما لم يبق من قرص الشمس ظاهرا فى الأفق إلا جزء صغير، وما لبث أن حل الظلام، بعد وصولهما إلى المنزل.