الحكاية الخامسة

سحلف الكهف

دخل الطفلان إلى المنزل وهما مبتهجان وأخذا يحكيان معا عن اكتشافهما الجديد، وأخيرا قال "د.محمد":

- "لا يمكننى أن أفهم شيئا، كيف تتحرك الرسوم، فليتحدث أحدكما ثم يكمل الأخر."

بدأت "آشا" تحكى لأبيها كيف نظرت إلى الحائط ووجدت الحيوانات والطيور المرسومة تتحرك فوقه، وكيف توقفت الحركة مع انطفاء النيران، ثم دبت الحياة فيهم مرة أخرى عندما أعاد "سيمو" إشعال النيران.

قالت الأم متعجبة:

- "ولكنى أذكر أننا أشعلنا النار فى الكهف من قبل ولم يحدث ذلك، علينا أن نذهب لرؤية ذلك غدا."

رد "سيمو" و "آشا" معا:

- "صحيح."

فكر "د. محمد" قليلا ثم قال:

- "طالما أن حركة الرسوم مرتبطة بإشعال النار، ربما تكون مرتبطة أيضا بحلول المساء. أنه اكتشاف مبهر!"

- "متى ستأتى البعثة العلمية لدراسة الكهف يا أبى؟ وهل يمكن أن نشاركهم فيما يقومون به من أعمال؟"

- "سيصلون يوم الأحد القادم، أى بعد ثلاثة أيام، ويمكنكم المشاركة طبعا، فأنتم من اكتشفتم الكهف فى الأصل."

نام الطفلان تلك الليلة سعيدان، وصحيا مبكرا متحمسان. وتوجهت العائلة إلى الكهف بعد الإفطار، وما أن وصلا إلى هناك، حتى جمع "سيمو" بعض الحطب وأشعل فيه النيران، ولكن الرسوم لم تتحرك، فأخذوا يتناقشون ورجحوا أن الأمر مرتبط بحلول وقت المساء فعلا، وأخذ الجميع يتأمل الرسوم واستخدم "د. محمد" منظاره المكبر فى تأمل الحائط، وقال بتفكر:

- "يبدو أن هناك رسوما أخرى مرسومة بمادة أخرى غير ظاهرة، ربما تظهر بإنعكاس الضوء عليها بزواية معينة، أما كيف تتحرك، فهذا أمر سيحتاج لكثير من الدراسة."

كان على الوالدين أن يعودا إلى أعمالهم، وقرر "سيمو" قضاء اليوم فى تصوير الرسوم وكتابة ملاحظاته عن التغيرات التى تطرأ عليها خلال أوقات اليوم المختلفة، وبقت "آشا" معه لتساعده، ونصحه والده:

- "لا تستخدم الفلاش فى التصوير، لأن الأضواء المبهرة تؤثر على ألوان الرسوم، وقد تمحيها مع الوقت، جرب استخدام خاصية الرؤية الليلية."

وافقه "سيمو"، وقال:

"أعرف يا أبى، منذ منعونى من التصوير داخل مقابر وادى الملوك فى الأقصر، وشرحت لى أنت الأمر."

ووعدت الأم بإرسال طعام الغداء لهما مع "باسل"، طالما سيقضيان اليوم داخل الكهف، على أن يعود الوالدان للانضمام لهما قبل وقت غروب الشمس لرؤية حركة الرسوم.

بعد رحيلهما، بدأ "سيمو" بتنفيذ نصيحة والده، واستخدام خاصية الرؤية الليلية أو الأشعة تحت الحمراء، وذهل لما رأى، كان بإمكانه رؤية الكثير من الرسوم المختفية المتداخلة، وإن لم تكن تتحرك، ونادى "آشا" لتشاهدها أيضا.. تعجبت "آشا" وسألته عن معنى ذلك، فقال:

- "إن المادة المستخدمة فى الرسم تصدر عنها حرارة، وربما تكون مادة حية."

- "مادة حية، ماذا يعنى ذلك؟"

- "الكائنات الحية هى وحدها التى تصدر عنها حرارة يمكن التقاطها بالأشعة تحت الحمراء فى المعتاد، ربما يكون نوع من البكتريا أو الكائنات الصغيرة."

ثم فكر قليلا وأضاف:

- " أو ربما هى مادة تسحب الحرارة أو تمتصها مما حولها، أظن أن ذلك ستقرره البعثة العلمية عندما تأتى لدراسة الكهف."

وبينما "أشا" و"سيمو" يتناقشان حول الرسوم المتحركة، التفتت الفتاة نحو أحد أركان الكهف المظلمة، ثم هتفت بخوف:

- ""سيمو" هناك شيئا يتحرك."

- "أين؟"

- "فى ذلك الركن."

أقتربت "آشا" من أخيها لتحتمى به، وأخرج سيمو الكشاف الذى لا يفارقه، ووجهه نحو الركن المظلم، ليفاجا الاثنان بمخلوق ضخم يمشى أمامهما، قالت "آشا" بفرح:

- "أنها سلحفاة!"

أقتربا منها بلا خوف وبدت السلحفاة وكأنها تبحث عن طعام، حيث مدت عنقها من درعها، وراحت تتحسس بها الأرض، وهللت "آشا" لأخيها :

- لأول مرة أشاهد سلحفاة بهذا الحجم، إنها كبيرة، ولكن أنظر إلى هذا، لديها جرح فى صدفتها."

نظر "سيمو" إلى السلحفاة ولاحظ أن هناك دماء فعلا فى درعها وقد بدا به شرخ بسيط، فقال بسرعة:

- " سأذهب لإحضار أمى، من حسن الحظ أنى أحضرت معى الدراجة، وركنتها اسفل التل."

أسرع سيمو بدراجته إلى البيت وأخبر والدته بالوضع، فحملت الدكتورة فاطمة حقيبتها وعادت معه إلى الكهف. وما أن وصلا إليه ورأت السلحفاة وفحصتها، حتى قالت:

- "لا تقلقوا، أنه جرح بسيط، سأقوم بتنظيفه وسيلتئم سريعا إن شاء الله"

قالت "آشا" وهى تلمس درع السلحفاة:

- "ولكن يا أمى كنت أظن أن درع السلحفاة مصنوع من الحجر."

ردت "د. فاطمة":

"هذا غير صحيح يا "آشا" أن الدرع أو صدفة السلحفاة هى عبارة عن حراشف وهى قوية جدا وتحمى جسدها ولكنها ايضا جزء منه."

وبعد أن أنتهت "د. فاطمة" من معالجة السلحفاة، أعطاها "سيمو" بعض الخس الذى أحضره لها من المنزل وأخذ الثلاثة يراقبونها وهى تمد رأسها وتقضمه بفمها، ثم سألت "آشا" والدتها:

- "اليس من الأفضل أن ننقلها إلى البيت يا أمى، حتى يمكننا رعايتها؟"

- "نعم، ولكن حجم السلحفاة كبير وليس من السهل نقلها، كما يبدو أنها من نوع نادر وربما يزيد عمرها عن المائة عام."

صاحت "آشا" بسعادة:

- "مائة عام، وكيف تعرفين ذلك؟ هل هو بسبب كبر حجمها."

- "لا، كبر حجمها له علاقة باسلوب حياتها وتوافر الطعام، ولكن الحلقات الموجودة على صدفتها فيها الكثير من الخطوط، هذه هى الطريقة التى يتم تقدير عمرها بها عن طريق تلك الخطوط، والسلاحف بشكل عام تعيش لأعمار طويلة."

وبعد أن أطمأنوا على السلحفاة، حكى "سيمو" لوالدته عما ظهر عندما استخدام الأشعة تحت الحمراء فى كاميرته ونظرت "د. فاطمة" إلى الرسوم عبر عدسة الكاميرا، ثم التفت إلى "آشا" و "سيمو" بحب وفخر، وقالت لهما:

- "تستحقان لقب المستكشفين الصغيرين على كل الأشياء الرائعة التى قمتم باكتشافها خلال الفترة الماضية، ونحن في انتظار البعثة العلمية وربما تخصكما بجوائز قيمة تقديرا لجهودكما ونبوغكما، حفظكما الله لنا."

ابتسم الطفلان وعانقا والدتهما.