هذا المقال مثالي جدا، بعيد عن الواقع بُعد التقاء الأضاد في معنًى واحد. ملائكي إلى حد كبير، غير قابل للتطبيق. لا نبحث فيه عن موافقة اعتقاد أو مصادقة هوى، هو الحب نستله من عتمة المعنى، نطرح عليه اسئلة ونطرح منه ما يُشكل، لنجلوا قلب الحب على السطور....


فلماذا يرتبط الحب بالزواج في مجتمعنا!!

ببساطة، لاننا لا نُخطيء فهم الحب بل فهم أنفسنا؛ اعتاد مجتمعنا على اخفاء رغباته الجنسية ومُداراتها بالصمت، بالتستر ، أو بالهمهمات، بالفصل الجنسي بين النكات... ومع اعتمار المجتمع لفلسفة الصمت تلك ناحية الميول الفطرية، يظهر التحايل بشتى صوره من كُنية حبات يوم الخميس إلى أن نسمي رغباتنا الجنسية حبا، ثم نصم الحب لنثبت المصطلح الذي اخترعناه فنقول ممارسة الحب، أعلم جيدا أن من اقام هذا المصطلح كان هدفه كسر حاجز الصمت بتغيير وقع الكلمات، لكنه أفسد حيث أراد الإصلاح فشوه ما تبقى من فُتات الحب الصافي .....

كانت هذه أولى طيات الغبار، ثَمت طبقة ثانية تظهر معولة على الطبقة الأولى. إذ يتداخل المعنى الحقيقي للحب مع المعنى المجتمعي المكتسب له، فما بين الحب والرغبة تنمو مسَلَّمة   " إذا أحببت فلتتزوج" 

والحقَ أقول " إذا رغبت_اشتهيت_فلتتزوج"...


ثم وتدريجيا تلتصق الطبقات وتصير ظلمات بعضها فوق بعض مكونة واقعًا، والواقع لابد له من دين يُسيره على عِلاته، فيصير الحكم   " لا حب إلا بعد زواج"    أو بمعنى أفصح    " لا تحاول أن تُحب إن لم تكن متزوجا" .

 وهنا الكلام لا يبدو منطقيًا مع أصحاب الطبقة الأولى، لكنه كلام متَسق؛ إذ اللَّبِنات الفاسدة أكثر صلاحا إذا كَونت بناءًا فاسد، فحياة البناء خير من الطوب المفرد وإن اشتركا في الفساد...

واتساق كلام أصحاب الديانة عن حب، نابع من حديثهم عن استخدام نفس الأداة باستبدال كلمة حب بدلا عن المودة...

إذًا فكل الطبقات تحريف في اصلها، تارة تسمي الجنس حبا ومرة تسمي الود حبا...


فإذا قرأت ما سلف ولم تتبين مواطن الفساد كما بيناها ، فلا حاجة لك بباقي المقال!!!

أمَا وقد تبينا فساد الفساد بكل تراكيبه ووجوهه ومصطلحاته، وتحررنا من مخزوننا الثقافي والمجتمعي والتديني، تجرد لنا معنى الحب .


فلما صرح الحب...غدا للحب عُريانُ

.....على رأي الفند الزماني



     وحتى تثبت أقدامنا فيما يأتي نثَبِّت قول:

 " الحب عمل قلبي، لا نتاج له من غير جنسه النفسي. أي لا عمل مادي له"...

الحب هواء شفيف رفيق بين أرواح قُدِر لها تلاقٍ أو ميل، يقول الصادق رُزقت حبها أي أُعطيته من غير حيلة ...



الحب رغبة في لقاء روح المحبوب وطيفه، وإلا فكيف أحَب جبران  مي زيادة وهو لم يرى منها سوى كلمات روحها المبثوثة في رسائلها له...

كيف أحب الرافعي مي، ماذا أراد بحبه لها إن لم يخبرها. كيف أطاق أن يبتعد وهو محب عاشق غارق؟؟

"فكيف بليل فتى الفتيان في حلبِ"

إجابات سهلة، لأنه لم يرد من الحب سوى الحب كما هو، زيارة طيف الروح يتلمس كلماته، فيرد عليها إن لم يكن للمحبوب مباشرة فلورقات الورد أو سحاب أحمر سرعان ما ينقل كلامه إلى روح حِبه...


ثم لماذا لم نسمع في العرب الاوائل_ رغم غلبة العُشاق فيهم_ رغبة في الهرب بالمحبوبة، ضربا في الأرض، وهم الأجدر بحساماتهم والأمنع بفتوتهم!!!


لماذا كانت الطِلبة وصال بطرف العين متحقق، ووصلا لحبائل العطر مستنشق، وترتيبا لحروف الروح بكلمات الحبيب!!!


" فلما تنازعنا الحديث وأسمحت   ***  هصرت بغصن ذي شماريخ  ميالِ "


أمَا كان للمجنون أن يهرب بليلى، وهَبه أخوَر من ذلك !! فلم أكمل البكاء عليها بعد موتها أتُراه يبحث عن حُب المودة أم حب الجنس!!!


ألا يكون سَفر المرقش الأكبر لاقيا حتفه سعيا وراء امرأة متزوجة مدفوعا بأسباب غير أسبابها المُلفقة، ربما يكون حبا يا صديقي!!! 

وهبه_أي المرقش_ وصل إلى اسمائه المنشودة ولقيها ثم سلِم من الموت، ما يكون منه سوى حديث وفراق...


أما قرأت في مرة أن عنترة بعد أن صنع ملحمته في الحب والاقتران بمن يحب، تزوج ثانية وثالثة ورابعة وربما أكثر...

ألا تراه منافيا لما في عقولنا من معانٍ للحب؟؟

بلي؛ لكنه عربي صحيحُ فطرة الحب. أحب واحدة حبا حقًا فصادفته موافقة القدر على الوصال المادي؛ ثم اشتهى فمارس الحب خاصتنا، ثم انجب من ثالثة فنال حب مودتنا...

بالطبع، هو لم يعرف للحب غير معنى واحد، الخطأ خطأنا نحن من غير مسميات الأشياء...


نعود فنقول القليل لنزيل الخلط_ وهو حاصل ما حيينا_ فقد أُشربناه ورَوَّينا به عروقنا...

الزواج قائم على معايير مادية، والمودة قائمة على مواقف معنوية سابقة، والحب خبط عشواء من يصب يقتل روحه فلا تصؤر روحا لغير قاتلها...

عجيب أمره ...

" قتل النفوس محرمُ ...لكنه حِل إذا كان الحبيب القاتلُ"

فيا من أحب فانتظر، ما في يدي الحب إلا حب. وكل متوقع لغيره، ما اغبرت قدماه في تراب الحب ساعة...