ذكر ابن خلدون في مقدمته أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة.
موضحا السبب في ذلك أنهم قلما تجتمع أهواؤهم...
فماذا لو اتحدت الدويلات العربية ؟ 

حتى نجيب على هذا التساؤل، هيا بنا ننظر إلى المنطقة العربية من منظور تاريخي جغرافي سياسي،
هذا المنظور يسمى منظور جيوبوليتيكي.
والجيوبوليتيك في أي مجتمع معاصر هي ثقافة سياسية متأثرة بالجغرافيا، وهي نظرة لعلاقة الجغرافيا بقوة الدولة أو ضعفها، وهي هندسة لسياسة الدول الخارجية ومفسر لتحركات الدول ونشاطاتها.

منظور جيوبوليتيكي للمنطقة العربية

تشير الأرقام أن الوطن العربي من حيث التعداد السكاني يشكل رابع أكبر الوحدات السياسية في العالم، بعد الصين والهند والولايات المتحدة الأمريكية برقم يتجاوز بقليل ثلاث مئة مليون نسمة. أما مساحة الوطن العربي فهي تبلغ تقريبا 10.2 % من مساحة العالم بما يتجاوز 14158848 كيلومتر مربع، وهو بالتالي يفوق مساحة القارة الأوروبية ومساحة الولايات المتحدة الأمريكية.

والوطن العربي يبدو في شكل قوس يرق عند طرفيه مساحة ويزداد سمكا عند منتصفه يقطعه سهم متعامد معه، حيث الكثافة السكانية الكبرى. فعلى ضفاف الأطلسي نشاهد موريتانيا، وعلى ضفاف الخليج توجد منظومة مجلس التعاون الخليجي _ المكون من 6 دول _ وهم طرفا القوس في حين تحاذي البحر الأبيض المتوسط الجزائر وليبيا ومصر وفلسطين ولبنان وسوريا مكتملا بالعراق والأردن ليتصل بالخليج العربي.

أما السهم الذي يتعامد معه فهو مشكل من عمق إفريقي مكون من مصر والسودان وجيبوتي والصومال.


حين ننظر للموقع العربي نجده :
* واقع في الجزيرة العالمية الكبرى التي هي محط ثروات العالم.
* وفي موقع متميز بالنسبة ل:
1. البحر الأبيض المتوسط
2. البحر الأحمر
3. الخليج العربي
4. بحر العرب
* يطل على المحيطين الأطلسي والهادي.
* يصل آسيا بإفريقيا.
* يطل على الممرات العالمية المعاصرة:
جبل طارق وباب المندب ومضيق هرمز وقناة السويس. وهو في ذات الوقت الجسر الذي يربط اليابس الأوروبي بآسيا وإفريقيا.

والوطن العربي هو خزان الطاقة للعالم المعتمد على النفط والغاز اللذين هما عنوان هذا العصر. وتكمن أهمية النفط ليس فقط من كونه مصدرا للطاقة بل هو المادة الخام الأساسية لشتى فروع الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية، ويدخل في ذلك صناعة الشحوم للتزييت، وصناعات الأدوية والمنظفات الصناعية ومواد التجميل والورق والمطاط الصناعي، والمبيدات الحشرية والأسمدة والمفرقعات.

والمنطقة العربية تحتوي على أربعة أحواض كبرى للنفط، أولها حوض شمال العراق و تعادل مساحته 15% من مساحة العراق، ويشكل 6% من إجمالي النفط العربي. وثانيها حوض الخليج العربي وتمثله حقول المنظومة الخليجية كاملة، ويشكل 65% من إجمالي النفط العربي. والثالث حوض سيناء وخليج السويس، ورغم أن مساهمته في إجمالي النفط العربي قليلة، إلا أنه محل التطلعات الإسرائيلية. ثم يأتي حوض الشمال الأوسط الأفريقي ويشمل ( ليبيا ، الجزائر ، المغرب )

والمنطقة العربية غنية بالمعادن كالحديد والفوسفات والكبريت والنحاس والرصاص والأملاح، ومع ذلك فالصناعة العربية ما زالت صناعات استخراجية في المجمل، ولم تنتقل بعد إلى الصناعات التحويلية.


 علاقة الأرض بالإنسان

مناطق الطرد ومناطق الجذب وأنهار التصريف، تلك معادلة الحركة التاريخية المبكرة في المنطقة.

فصحراء الجزيرة العربية وجبال إيران والأناضول أو آسيا الصغرى، شكلت مناطق الطرد في إتجاه بلاد ما بين النهرين، أو العراق والشام.

وحين تقوى حضارة ما، سرعان ما تتدفق قوتها في محيطها الحيوي للسيطرة على طرق تجارتها، وبذلك تنشأ الإمبراطوريات.

لننظر إلى منطقة القلب الجغرافي الأول؛ بلاد العراق والشام والتي تشكل نقطة التقاء المحيط الذي بدأ بالتشكل بوصول قبائل الجزيرة العربية إليها، وعلى هذا النسيج أضيفت أنسجة أخرى من الفرس، الترك، اليونانيين، وثم ذلك الارتباط الوثيق بمصر . 

ها هي الجغرافيا سترسم أهم خطوط المستقبل والتي تتحدد بطبيعة العلاقة بين هذه القوى المتجاورة منذ فجر البشرية.

 تشكل النخبة العربية
الجزيرة العربية كانت مهدا لفرعين كبيرين رفدا مكونها السكاني.
1. الرافد القحطاني القادم من الجنوب، بلاد اليمن ستأتي منه ملوك اليمن سبأ وحمير، ثم المناذرة والغساسنة ملوك كنده والأزد الذين سيأتي منهما الأوس والخزرج وهم سيشكلون كتيبة المشروع الجديد القادم.

2. أما الرافد الثاني فهم العدنانيون وهم نتاج زواج إسماعيل بن إبراهيم من قبيلة جرهم والتي جاء منها عدنان، ومنه جاء معد وبعده نزار، الذي سيخرج منها الفرعان ربيعة ومضر، التي منها جاء الرسول محمد صل الله عليه وسلم.

ومن هذين الفرعين ستتولد خميرة النخبة العربية الجديدة أو الموجة الحضارية القادمة. 


أهمية الفكرة

نقطة انطلاق تلك التي ولدت في مكة .. دين، رسالة، أو فكرة، وشعور جديد .. ذلك ما تحتاجه حركة أي بعث جديد. في مكة ولدت الفكرة وذلك الشعور الجديد لكن مكة لم تكن حاضنة للفكرة فإنتقلت لحاضنة المدينة أو منطقة الإرتكاز المبكر. وفي حاضنة المدينة تكاتفت النخبة الأزدية من الأوس والخزرج، مع خلاصة النخبة العدنانية التي ولدت في مكة. ثم تبدأ رحلة المشروع .. فمن الضعف الإستراتيجي وحصار النشأة، إلى نقطة التعادل الإستراتيجي في الحديبية، إلى انقلاب الميزان الإستراتيجي لصالح المشروع الجديد، وفتح مكة والطائف، أو مرحلة الإعلان الكامل عن الوجود في المحيط المباشر.


 الإتجاه للشام والعراق

الإتجاه للقلب .. منطقة الشام والعراق وجناحاهما فارس ومصر، كان الوضع الطبيعي لحركة المشروع فهي منطقة التصريف لحركة الجزيرة تاريخيا، ثم تطويق البحار التي تشكل البحيرات الداخلية للمنطقة، ثم الإمتداد لتأمين الطرق من الجزيرة للهند والصين.

هكذا تفصح الجغرافيا عن أسرارها (البشر والمكان والتاريخ)

إنه مثلث العرب والفرس والترك أو نسيج المنطقة التاريخي، حين يجد معادلة التعاون والتنسيق تكتسب المنطقة حصانتها في وجه قوى ما وراء البحار. وحين لا يجد معادلته الصحيحة، ينقلب على ذاته ويدمرها، ثم يخضع للقادمين من وراء البحار، كما حدث مع الصليبيين .. أو من ما وراء المجال في الغزو المغولي الأكبر.


وفي الختام أقول، إن المستقبل هو ابن الأحلام الكبيرة، والأحلام الكبيرة هي بنت الإرادات التي تؤمن بها وتشق لها المسار.


ماذا لو اتحد العرب؟ 👇

https://www.rqiim.com/video/5d82b2401a1fa50019d21074