أرملة .. لا أملك من الحول ولا القوة إلا ما أقف به على قدمي الآن ، استمع إلى أحاديث أهل القرية عن الحادثة ، فلا أهتم .. ظننت أن حكايتي انتهت بانتحار زوجي ، ولكنني الآن جالسة مع امرأة ضريرة ، يكسوها الهم والألم ، تحتاج لعناية خاصة ، وما من أحد يهم بذلك الأمر غيري  ... آمال فزعت ولم تطق المكوث ، فتلاشت من الصورة .. وتلاشت معها فرصتي في ترك المنزل المشؤوم هذا ، أمي تقول " اتركيها وتعالي ، هذه نعمة !! ، ألا تذكرين ما فعلت" .. وانا أقول أنني لا أرى سوى امرأة عجوزاً أمامى ، تحتاج لعنايتي التي اعتادت عليها منذ أشهر ، وحقيقة ما قلت ... فظللت معها شهرين آخرين ، حتى توفاها الله .. وعدت إلى بيتنا ..
يبدو الوضع مستقراً الآن ، لا عدو .. لا خوف .. لا بكاء إلا من حين لآخر ... فقط زيارات حمدي ابن عمي الأسبوعية ، يسأل " هل حان الوقت؟!" .. فأرد ب"ليس بعد" .. طلب يدي قبيل رجوعي إلى منزل أمي ، ولكنني لم أقبل ، ولم أرفض .. تركت الباب موارباً .. أمي قالت لا بأس به .. وانا لم أعد اتخذ قرارات .. فأجلت .. وأجلت .. إلى أجلٍ غير مسمى .
سماء فبراير مرة أخرى .. وانا على العهد مع هذا الشهر الكئيب ، يأتى الصغير محموماً من الخارج ، لا ينطق بكلمة ، أمي قالت أنه استحم وخرج للعب مباشرة ، فأصابه المرض ، .. ولكن قلبي انتفض حين رأيته ، كان شاحب الوجه ، عيناه حمراوتان شبه مغمضتان ، لا يقوى على فعل شئ ، جاء الطبيب وقال أنه محموم ، .. وترك لنا بعض الأدوية .. ولكنها لم تجد نفعاً ، انقضى اليوم وأخي ما زال محموماً ، وقفت بجواره ، وهمت أمي بتبديل ملابسها للذهاب به إلى المشفى ، وانا ما زلت محملقة ، شهق كثيراً ، ... وعيناه تزداد ضيقاً مع مرور الوقت ، وبعدها بدقيقتين انقطعت كل الأصوات الصادرة منه ، هززته بيدي ، فلم يبد حراكاً ، تفقدت أنفاسه ونبضه ، .. لا شئ ... صرخت "أماااه" .. أتت مسرعة وتفقدته ، ولكنها حملته وخرجت به من المنزل ، وانا ورائها ، اوقفها أحدهم وحمله عنها ، وبعد ثلاث خطوات توقف وقال " إنه ميت !! " ، فأخذته أمي منه وأكملت طريقها إلى المشفى وهى تصرخ ، وقع الحجاب عن رأسها ، وما زالت تصرخ ، .. أوقفتها ، .. فزاحتنى وجلست على الأرض ، .. وأخذت تخاطب الصغير ... "علي .. انهض صغيري !! ، ما زال العمر أمامك شهداً مثمراً " .. ضمته إلى صدرها وقلبها يئن من الألم ، .. فجاء حمدي فزعاً ، أخذ جثة الصغير من أمي عنوة ، وأمرني ان اصطحبها إلى المنزل ، ففعلت ومشينا حتى سقطت مغشية عليها على عتبة المنزل ..
ودعنا الصغير ، وجلبوا لنا ثيابه ، احتضنتها وبكيت ، وأعطيتها لأمي التى فقدت ملامحها من شدة البكاء ، كان أخي هو كل ما تبقى لنا نحن الأثنتين ، والآن ذهب ... ضمتنىي إليها ، وفي يدها جلبابه ، .. فاستعشرت شيئاً صلباً فيه ، ربما تذكار منه لأحتفظ به ، ... لكنه لم يكن كذلك .. أخرجته لتراه أمي  ، ففزعت حين رأته ، شيئاً مربعاً ملفوفاً بعناية بخيط أسود .. كان من القماش ، لم أفهمه جيداً ، ولكن ملامح أمي حينها أخبرتني عن ماهيته ، .. سحر أسود .. صغيرنا لم يمت محموماً . ... يتبع ..

باقى الأجزاء 

الجزء الأول 

الجزء الثانى 

الجزء الثالث