حكم الاختلاط في الشريعة الإسلامية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

قال أحد الباحثين: "إن كلمة (الاختلاط ) في مجـال العلاقة بين الرجـل والمرأة، كلمة دخيلة على (المعجم الإسلامي ) لم يعرفها تراثنا الطويل العريض طوال القرون الماضية، ولم تعرف إلا في هذا العصر، ولعلها ترجمة لكلمة (أجنبية) في هذا المعنى، ومدلولها له إيحاء غير مريح بالنظر لحس الإنسان المسلم. وربما كان أولى منها كلمة (لقاء) أو (مقابلة) أو (مشاركة) الرجال للنساء، ونحو ذلك" فتاوى معاصرة 2/ 279.

إن نظرة سريعة إلى بعض كتب تراثنا تكفي لتصل إلى نتيجة مفادها: إن الكلام السابق غير دقيق؛ وذلك لأن كلمة (الاختلاط) في مجال العلاقة بين الجنسين قد وردت في كتب سلفنا الصالح من علماء المذاهب الأربعة وعلى اختلاف العصور، وإليك بعضا منها:

جاء في (المبسوط) للإمام السرخسي الحنفي(ت:483هـ): (وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُقَدِّمَ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَزْدَحِمُونَ فِي مَجْلِسِهِ، وَفِي اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ عِنْدَ الزَّحْمَةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَالْقُبْحِ مَا لَا يَخْفَى، وَلَكِنْ هَذَا فِي خُصُومَةٍ يَكُونُ بَيْنَ النِّسَاءِ. فَأَمَّا الْخُصُومَةُ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُقَدِّمَهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ فَرِيقٍ يَوْمًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنْ كَثْرَةِ الْخُصُومِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُمْ يَزْدَحِمُونَ عَلَى بَابِهِ وَرُبَّمَا يَقْتَتِلُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِيهِ مِنْ الْفِتْنَةِ مَا لَا يَخْفَى) 16/80.

قال الإمام أبو بكر الطرشوشي المالكي (ت:520هـ): (...إنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّلَامَةِ مِنْ اللَّغَطِ وَلَمْ يَكُنْ إلَّا الرِّجَالُ أَوْ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مُنْفَرِدِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ يَسْمَعُونَ الدُّعَاءَ فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الَّتِي كَرِهَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَجْرِي فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنْ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمُصَادَمَةِ أَجْسَادِهِمْ وَمُزَاحَمَةِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيْبِ وَمُعَانَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ... وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْفِسْقِ وَاللَّغَطِ فَهَذَا فُسُوقٌ فَيَفْسُقُ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي اجْتِمَاعِهِمْ... وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِأَصْلِ الذَّرَائِعِ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِهَذَا الْفَرْعِ وَمَنْ أَبَى أَصْلَ الذَّرَائِعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَلْزَمُهُ إنْكَارُهُ لِمَا يَجْرِي فِيهِ مِنْ اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ انْتَهَى).المدخل لابن الحاج 2/297.

وجاء في (مواهب الجليل) للإمام الحطاب المالكي (ت:954هـ): (يُكْرَهُ الطَّوَافُ مَعَ الِاخْتِلَاطِ بِالنِّسَاءٍ) 3/110.

وفي (الحاوي الكبير) للإمام الماوردي الشافعي (ت:450هـ): (والمرأة منهية عن الاختلاط بالرجال) 2/51.

وفي (المجموع) للإمام النووي الشافعي: (ت:676هـ): (ولأنّ الاختلاط بهن مظنة الفساد وسبب للريبة ; لأنهن مزيَّنات للناس مقدَّمات على كل الشهوات)3/490.

وفي (الكافي) للإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي (ت:620هـ): عند حديثه عن تأخر الرجال في الخروج من المسجد (..ولأن الإخلال بذلك يفضي إلى اختلاط الرجال بالنساء) 1/261.

وإذا تأملنا في النصوص السابقة وجدنا أن الاختلاط مظنة الفتنة، وأنه يدور بين الحرمة والجواز مع الكراهة.

وإذا دققنا أكثر سنجد أن الشريعة أجازت للمرأة أن تخرج لصلاة الجماعة والعيدين، كما أجازت لها أن تطوف وتسعى بالعمرة والحج، وأجازت لها أن تعامل الرجال بالبيع، والشراء، والإجارة وغيرها من المعاملات، وأجازت لها أن تشهد على العقود، كما أجازت لها أن تخرج مع الجيش للتمريض. وكل ما سبق يتيح الاختلاط بين الرجال والنساء، وهي أمور جائزة، لكن لا شك أن هذا الجواز منضبط بالأخلاق العامة الواردة في الشريعة، وإلا انقلب الجواز إلى منع وحرمة أو كراهة. فعلى الرجل والمرأة مراعاة القواعد الشرعية الناظمة لهذا الاجتماع والاختلاط المأخوذة من نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك:

1- ألا تكون هناك خلوة بين الرجل وأجنبية عنه. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ) رواه الترمذي.

2- أن يلتزم كل طرف بغض البصر ما أمكن، فإذا نظر للطرف الآخر فلا ينظر بشهوة. قال الله تعالى: {قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} النور/30، وقال سبحانه: {وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} النور/31 .

3- أن يلتزم الطرفان بستر العورة والاحتشام في الملبس. لقول الله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} النور/31، وقوله سبحانه: {إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} الأحزاب/53.

4- البعد عن المزاح والملاطفة بالكلام وتجاوز المتعارف في ذلك. لقول الله تعالى: {فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْل فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} الأحزاب/32.

ومن خلال ما سبق يمكن أن نقول: إن حكم الاختلاط بين الرجال والنساء يعتمد على مراعاة أحكام الشريعة فيجوز، أو عدم مراعاتها فيحرم.