ذ. حميد حقي

أستاذ السلك الثانوي التأهيلي

باحث في الفكر الإسلامي

في هذا الكتاب يتناول الدكتور محمد يوسف علاقة الفلسفة بالقرآن في فصول أربعة: أولها في بيان علاقات القرآن والفلسفة والمجتمع، وثانيها في التأكيد على أن طبيعة القرآن تدعو إلى التفلسف. أما الثالث فتناول فيه مناقشة فلاسفة الإسلام لمشكلة ذات الله وصفاته. وفي الفصل الأخير يناقش مذاهب الفلاسفة المسلمين في العدالة الإلهية.

فأما الفصل الأول فقد انطلق فيه الباحث من حقيقة مفادها أن القرآن الكريم منه ما يتجه للعقل ليتفتح للموعظة، ومنه ما يتجه للعقل ليذعن للمنطق والدليل، وهذا ما يؤهله ليصل إلى ما يقصده من الهداية وتبيين الحق من الباطل.

ثم يبين أن المجتمع الذي نزل فيه القرآن كان يتشكل من أصناف مختلفة من الناس، كل صنف يختلف عن الآخر في عقيدته، بحيث كان العرب في اختلاف ديني كبير. ومن هذه الأصناف يذكر بقايا اليهود والنصارى، بالإضافة إلى الوثنيين الذين يعبدون الأوثان والأصنام، وإلى جانب هؤلاء كان من العرب فئة قليلة من يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيمانا فيه بعض الغموض والحيرة.

ويؤكد المؤلف عل أن هذا الاختلاف كان بين العرب في العقيدة قبل ظهور القرآن يوحي بأنه كان لهم شيء من النظر العقلي في بعض النواحي الفلسفية التي تتصل بالألوهية والعالم والبعث. وإن لم يكن ذلك قائما على أساس أم منهج معروف.

وفي ظل هذا المجتمع الذي تتضارب فيه الاعتقادات كان لابد للقرآن أن يقول كلمة الفصل في هذا الاختلاف. وأن يبين الحق فيما عليه الناس من اعتقادات. كان لابد من أن يكون القرآن نفسه موضع أخذ ورد بين الذين آمنوا به والذين جحدوا به، ذلك أن بعض الآيات تبدوا في ظاهرها أنها تتعارض مع آيات أخرى.

والنتيجة التي يمكن لنا أنستخلصها -كما يؤكد المؤلف- هي أن القرآن نزل في بيئة كانت في حاجة إليه ومستعدة له، وأنه بذاته يدفع قارئيه الذين يتدبرونه إلى أنحاء من التفكير الفلسفي.

ويجيب بأن القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية وحق يجب أن يكون قد احتوى أصول الفلسفة الصحيحة على اختلاف ضروبها وأقسامها، كما أنه أغنى المسلمين في فجر الإسلام عن طرح الأسئلة الفلسفية التي ترتبط بالألوهية والطبيعة، لأنه حسم فيها وبين الحق فيها.

ثم شرع بعد ذلك في بيان هذه الأصول الفلسفية التي اشتمل عليها القرآن وهي كالتالي:

1- الفلسفة الإلهية والطبيعية

اختلف المفكرون والفلاسفة في قديم الزمان وحديثه في أصل هذا الكون. ولكن القرآن الكريم جاء بالقول الفصل في هذه المسألة بالحجج المنطقية والأدلة العقلية؛ حيث دلت آيات عديدة على أن الله وحده هو الذي خلق العالم والإنسان والحيوان، وجعله على نظام بديع محكم ليكون فيه مجال للعقل والفكر للوصول إلى حقيقة أن الصانع إله واحد لا غيره هو الله سبحانه.

وبذلك نخلص –كما يؤكد المؤلف- إلى أن القرآن الكريم جاء بالأدلة على كون العالم لم يتكون وحده كما يقول الدهريون أو الطبيعيون ولم يخلق عبثا، بل نشأ بعد عدم، وأنه صنع إله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى. كما جاء في قوله تعالى: "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمان الرحيم".

2- الفلسفة الإنسانية والاجتماعية

يرى المؤلف أن القرآن كله فلسفة إنسانية تتعلق بالإنسان في مختلف حالاته وأوضاعه. فكان بذلك منبع لأصول الفلسفة الإنسانية والاجتماعية، وواضعا للأسس العامة التي يقوم عليها المجتمع السليم. ولقد رفع الله من شأن الإنسان بما أبطل من عبادة غيره تعالى، كالأصنام وغيرها. ووفر له الكرامة التامة؛ فلا وسطاء ولا شفعاء بينه وبين خالقه.

وبعد أن حرر القرآن الإنسان من الأصنام، ومن سلطان الأحبار والرهبان، لم يجعل عليه سلطانا إلا سلطان عقله السليم وفكره الصحيح، الذي يميز به بين الخير والشر، فقد كان من المنطق أن يجعله مسؤولا عن أعماله وأفعاله.

3- الإنسان اجتماعي بطبعه

فالإنسان في نظر الباحث لا يستطيع العيش لوحده، ولذلك نجد القرآن زاخرا بكثير من المبادئ التي لا نجد لها أثر في أية فلسفة إنسانية أو اجتماعية لأي فيلسوف في قديم الزمان أو حديثه.

4 - تأكيد القرآن على الصفح والعفو ومقابلة السيئة بالحسنة     

أولا: يحث الله تعالى الذين يسيء إليهم غيرهم على الصفح والعفو عنهم ليغفر لهم الله.

ثانيا: لا ينبغي لنا أن نفهم من دعوة الله القرآن إلى التسامح على أنه يدعو إلى الضعف وقبول الضيم، بل يدعو إلى أن ينتصر الإنسان لنفسه.

ويؤكد المؤلف على أن ما يحث عليه القرآن من الصفح والعفو عن المسيء إنما هو من أخلاق الأفراد حين يتعدى بعضهم على بعض. أما حين تتعدى أمة من الأمم علينا معشر المؤمنين، فإنه من الذل والكفر أن نجنح للصفح والعفو؛ بل لابد من العقاب والجهاد في سبيل الانتصاف لأمتنا، مع الإيمان بنصر الله الذي وعده عباده المؤمنين.

ويضيف قائلا أن القرآن الكريم بما اشتمل عليه من أصول الفلسفة الإلهية والطبيعية، قد دفع المسلمين للتفلسف بمعناه الواسع. ومن حيث إقراره بأصول الفلسفة الأخلاقية قد دعا لإقامة المجتمع السليم الصالح للحياة الذي يقوم على مجموعة من الدعائم من قبيل الإيمان بالله والعدالة، والأمانة والوفاء، والتسامح والعفو، والمساواة بين الناس، وكذا حرية التفكير والاعتزاز بالكرامة.